عاد ملف الأموال الساخنة ليكون في بؤرة الاهتمام الاقتصادي في مصر، حيث وصل حجم استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومي إلى نحو 45 مليار دولار، وهو رقم قياسي يعكس جاذبية العائد المرتفع واستعادة الثقة في الاقتصاد المصري.

دعم احتياطي النقد الأجنبي

هذا التدفق الكبير ساهم في تعزيز احتياطي النقد الأجنبي وتخفيف الضغوط على سوق الصرف، ولكنه يثير تساؤلات حول مدى الاعتماد على استثمارات قصيرة الأجل، وتأثير ذلك على استقرار الاقتصاد الكلي، خاصة مع التقلبات العالمية وأسعار الفائدة الدولية.

تدفقات قوية خلال فترة زمنية قصيرة

الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أشار إلى أن استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومي عادت لتكون محط نقاش، حيث اقترب حجمها من 45 مليار دولار بنهاية عام 2025، بالمقارنة مع 13.6 مليار دولار فقط في فبراير 2024، مما يدل على تدفقات قوية خلال فترة قصيرة.

وأضاف الإدريسي أن هذه التدفقات ساعدت بشكل مؤقت في دعم احتياطي النقد الأجنبي وتخفيف الضغوط على سوق الصرف، خاصة في أوقات التذبذب، كما ساعدت الحكومة في تلبية بعض احتياجاتها التمويلية المحلية، في ظل ارتفاع أسعار الفائدة، مما جعل أدوات الدين المصرية من بين الأعلى عائدًا في الأسواق الناشئة.

وأشار إلى أن حصة الأجانب ارتفعت إلى نحو 45% من إجمالي سوق أذون الخزانة، مما يدل على قوة الإقبال، لكنه يكشف أيضًا عن زيادة الاعتماد على مستثمرين قصيري الأجل، مما يفرض تحديات إضافية على الاستقرار المالي.

حذر الإدريسي من أن طبيعة الأموال الساخنة، رغم أهميتها في توفير السيولة، ترتبط بتحركات أسعار الفائدة العالمية ومستويات المخاطر الدولية، ولا تعكس بالضرورة تحسنًا هيكليًا في الاقتصاد، مشيرًا إلى أن أي تغير مفاجئ في الأوضاع المالية العالمية قد يؤدي إلى خروج سريع لهذه التدفقات، مما يشكل ضغطًا على سوق الصرف.

استدعى الإدريسي تجربة عام 2022، عندما خرجت تدفقات تقدر بنحو 20 مليار دولار في فترة قصيرة، بعد تشديد السياسة النقدية الأمريكية واندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، مما أدى إلى تراجع الاحتياطي الأجنبي وفرض ضغوط على الجنيه المصري وارتفاع معدلات التضخم، مؤكدًا أن هذه التجربة تظل درسًا مهمًا في إدارة هذا النوع من الاستثمارات.

أكد الإدريسي أن الدولة تتعامل حاليًا مع الأموال الساخنة كمصدر دعم مؤقت، من خلال عدم توجيهها لتمويل مشروعات طويلة الأجل، وتعزيز مرونة سعر الصرف، والعمل على إطالة آجال الدين وتقليل الاعتماد على الأذون قصيرة الأجل، مع التركيز على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة الأكثر استقرارًا.

قد يؤدي إلى تقلبات في سعر الصرف

وحذر الإدريسي من أن تضخم حجم هذه التدفقات يزيد من حساسية الاقتصاد لأي خروج مفاجئ، مما قد يؤدي إلى تقلبات في سعر الصرف وضغوط تضخمية، مما يستدعي الحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة لفترات أطول، مشددًا على ضرورة إدارة هذا الملف بحذر للحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي.

الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، أكدت أن وصول استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية إلى نحو 45 مليار دولار بنهاية عام 2025 يعد مؤشرًا إيجابيًا على استعادة الثقة في الاقتصاد المصري، مشيرة إلى أن هذه التدفقات تختلف تمامًا عن تلك التي شهدتها البلاد قبل أزمة عام 2022.

أوضحت الدماطي أن إدارة البنك المركزي لهذه التدفقات أصبحت أكثر احترافية، خاصة منذ تولي حسن عبد الله قيادة السياسة النقدية، حيث تم ربط آجال استحقاق الأموال الداخلة باستخداماتها الفعلية، مما يمنع تكرار سيناريو الخروج المفاجئ الذي حدث بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

الأموال الساخنة

وأضافت أن الأموال الساخنة تُدار حاليًا كمورد قصير الأجل، يتم توجيهه لتمويل احتياجات قصيرة الأجل مثل التبادل التجاري وسداد الالتزامات القريبة، مع الالتزام بعدم استخدامها في تمويل مشروعات طويلة الأجل، مما يقلل من تأثير أي خروج محتمل لهذه التدفقات.

وشددت على أن التخوف من تكرار أزمة 2022 لم يعد بنفس الحدة، في ظل اختلاف آليات الإدارة الحالية، مؤكدة أن ربط مدة الاستثمار بمدة الاستخدام مكّن الدولة من امتصاص أي تحركات دون إحداث صدمة في سوق الصرف أو الاحتياطي النقدي.

مصر وتركيا أصبحتا من أبرز الأسواق الناشئة

حول أسباب التدفقات القياسية، أوضحت الدماطي أن تراجع الدولار عالميًا والاضطرابات الجيوسياسية دفعت الصناديق الاستثمارية العالمية للبحث عن أسواق ناشئة ذات عائد مرتفع ومخاطر أقل، مشيرة إلى أن مصر وتركيا أصبحتا من أبرز هذه الوجهات.

كما أشارت إلى أن الصناديق الأجنبية تعتمد على ما يُعرف بـ«الكاري تريد»، عبر الاقتراض من دول منخفضة الفائدة مثل اليابان، وإعادة توظيف هذه الأموال في أسواق توفر عوائد مرتفعة، مما يجعل أدوات الدين المصرية جذابة في المرحلة الحالية.

خفض مستوى المخاطر بشكل كبير

وأكدت أن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر خلال السنوات الماضية ساهمت في خفض مستوى المخاطر بشكل كبير، مشيرة إلى أن مؤشرات المخاطر السيادية تراجعت من مستويات مرتفعة إلى معدلات أكثر أمانًا، معتمدة على سجل مصر التاريخي في سداد التزاماتها المالية، مشددة على أن الإدارة الحالية نجحت في تحويل الأموال الساخنة من مصدر محتمل للمخاطر إلى أداة دعم مؤقتة دون الإضرار بالاستقرار المالي، مؤكدة أن استمرار الإصلاحات الاقتصادية هو الضمان الحقيقي للحفاظ على هذا التوازن.