لم يعد موضوع الدواء في مصر مجرد مسألة أسعار وتوافر، بل أصبح اختبارًا يوميًا لثقة المواطنين في ما يشترونه، وقدرة الدولة على تنظيم سوق حساس للغاية.
في هذا الإطار، أعلنت الهيئة المصرية للدواء عن مشروع التتبع الدوائي، وهو نظام يهدف إلى متابعة حركة كل عبوة دواء منذ خروجها من المصنع وحتى وصولها للمريض، وذلك من خلال منصة مركزية تسجل بيانات الإنتاج والتوزيع والصرف.
ما الذي تغيره المنظومة فعليًا؟
تعتمد فكرة التتبع على إعطاء كل عبوة دواء كودًا تعريفيًا يتضمن معلومات أساسية مثل اسم المنتج ورقم التشغيلة واسم الشركة المصنعة أو المستوردة وتاريخ الإنتاج والصلاحية، وتُسجل هذه البيانات على منصة إلكترونية مركزية، مما يسهل تتبع حركة العبوة عبر سلسلة الإمداد حتى تصل للمستهلك.
هذا التحول ينقل السوق من الاعتماد على المستندات الورقية والتقديرات إلى استخدام البيانات الرقمية، حيث يمكن معرفة مسار العبوة، ومن استلمها، ومتى خرجت من المخزن، ومتى صُرفت، ومن أي جهة.
داخل الماكينة: لا صرف بلا تحقق
اللغة التنظيمية للمشروع توضح فلسفته بجلاء، حيث تُشير إلى ضرورة التحقق الإلزامي قبل صرف أي عبوة، بمعنى أنه لا يمكن صرف أي دواء إلا بعد التأكد من فعالية كود التتبع على المنظومة.
الأمر لا يقتصر على التحقق فقط، بل يمتد إلى تسجيل الاستلام وربطه بكود تجميع مرخص داخل النظام، كما يتم تسجيل حدث الصرف لحظيًا مع بيانات موقع الصرف وتاريخ ووقت العملية بدقة، مع وجود تبعات قانونية في حال عدم تسجيل الأحداث وفق الآليات المحددة.
أيضًا، سيتم الإبلاغ عن العبوات غير القابلة للتحقق ووقف صرفها حتى اتخاذ الإجراءات المناسبة، وهذه التفاصيل ليست تقنية فحسب، بل تعني أن نقطة القوة الأساسية للمنظومة ستكون عند آخر متر في رحلة الدواء.
حل أزمة نقص الدواء؟
إذا كانت بعض الأصناف تُسحب من مسارها الطبيعي لتباع خارج القنوات الرسمية، فإن نظام التتبع سيرفع تكلفة هذا السلوك ويزيد من احتمالات كشفه، وفي هذا السياق، أوضح دكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، أن تتبع الدواء هو نظام عالمي موجود في معظم دول العالم، خاصة في أوروبا وأمريكا.
التتبع الدوائي يعني ببساطة متابعة مسار الدواء منذ تصنيعه، حيث يتم وضع أكواد محددة على علب الأدوية، ثم يقوم المصنع بتوزيعها على المخازن المسؤولة عن توزيعها على الصيدليات، بعد ذلك تدخل المخازن الأكواد على الأجهزة، ويتم تسليم الصيدليات تلك الأدوية بالأكواد الخاصة، وأخيرًا يشتري المريض الأدوية المكودة.
أكد عوف أن الهيئة تتتبع الدواء منذ خروجه من المصنع، مرورًا بالمخزن والصيدليات، وصولًا للمواطن، مما يمكن الهيئة من متابعة كمية الأدوية المنتجة والموزعة والمباعة، وبالتالي تكتشف أي أصناف تم تهريبها أو خرجت بشكل غير قانوني.
وأوضح أن نجاح هذه العملية يعتمد على عدة عوامل، من أهمها التمويل، حيث تحتاج المنظومة إلى ما لا يقل عن 20 مليار جنيه، ومن المفترض أن تتحمل الشركات الخاصة هذه التكلفة، كون المشروع قومي، كما تعتمد نجاح المنظومة على وجود بنية تحتية قوية، حيث تحتاج إلى شبكة إنترنت قوية للغاية لضمان تتبع الأدوية بشكل سليم دون انقطاع.


التعليقات