في وقت حساس للغاية على الساحة الإقليمية، صدر بيان مشترك بين مصر والسودان يحمل في طياته رسائل سياسية وأمنية واضحة، تعكس عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين وتوافق مصالحهما في مواجهة التحديات المتزايدة في المنطقة.

البيان لم يقتصر على تأكيد التعاون التاريخي، بل أشار أيضًا إلى مرحلة جديدة من التنسيق، حيث تم الحديث عن تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، مما يعزز من قوة الردع وحماية الأمن القومي لكلا البلدين. هذا التحرك يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأزمات الحالية، من اضطرابات داخلية إلى تدخلات إقليمية، تتطلب آليات جماعية أكثر فعالية، ورسائل ردع واضحة تجاه أي تهديد لاستقرار المنطقة.

قال اللواء سمير فرج، الخبير العسكري، إن البيان يحمل رسائل حاسمة، تؤكد أن السودان يعتبر “خطًا أحمر” بالنسبة لمصر، وأن أمنه جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. وشدد فرج على أهمية تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك ورفض أي محاولات لتقسيم السودان، مشيرًا إلى أن هذه النقاط تمثل جوهر البيان.

أكد الخبير العسكري أن السودان يمثل عمقًا استراتيجيًا لمصر، ولا يمكن السماح بأي تهديد يمس استقراره أو وحدته، كما أن الشراكة بين البلدين في ملف نهر النيل تظل محورية، في ظل التهديدات المرتبطة بسد النهضة. وأوضح أن أي تهديد للسودان سيؤثر مباشرة على الأمن القومي المصري، وهو ما لن تسمح به مصر.

رفضت مصر بشكل قاطع سيناريو تقسيم السودان، مشددًا على أن ما حدث في جنوب السودان كان كافيًا، وأن أي تقسيم جديد سيهز استقرار السودان والمنطقة. كما دعا فرج إلى ضرورة وقف إطلاق النار الفوري وإدخال المساعدات الإنسانية العاجلة، في ظل ما يعانيه السودان من موجات مجاعة خطيرة.

أكد اللواء محمد عبد الواحد، الخبير العسكري، أن البيان المصري يمثل تحولًا واضحًا في السياسة الخارجية المصرية، حيث انتقلت القاهرة من الدبلوماسية الهادئة إلى تصريحات أكثر وضوحًا تحمل رسائل ردع. وأوضح أن البيان يستند إلى أسس قانونية دولية، مثل المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تمنح الدول حق الدفاع عن نفسها حال تعرض أمنها للخطر.

أشار عبد الواحد إلى أن الأمن السوداني يمثل بعدين أساسيين لمصر، الأول هو الأمن الحدودي، والثاني هو الأمن المائي، حيث يعتبر السودان شريكًا استراتيجيًا لمصر في مواجهة تداعيات أزمة سد النهضة. وأكد أن قوة السودان تعني قوة مصر، وأن استقرار الجيش السوداني يضمن استقرار الجبهة الجنوبية لمصر.

كما وضع البيان خطوطًا حمراء واضحة، أبرزها رفض المساس بوحدة وسلامة الأراضي السودانية، وعدم السماح بإضعاف الجيش السوداني أمام أي قوى مسلحة غير نظامية. وشدد البيان على رفض أي سيناريو يؤدي إلى تقسيم السودان وعدم الاعتراف بأي كيان جديد قد ينشأ عن عملية انفصال محتملة.

أكد اللواء عبد الواحد أن من بين الرسائل المهمة عدم الاعتراف بأي كيانات موازية للحكومة السودانية الشرعية، مما يمثل دعمًا قويًا لمؤسسات الدولة السودانية، خاصة القوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في ظل الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها.

أشار الخبير العسكري إلى أن الضغوط تعاظمت مع التطورات الميدانية الأخيرة، خاصة بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق استراتيجية، مما يشكل خطرًا على الاقتصاد السوداني. وأوضح أن القيادة السودانية تواجه أيضًا ضغوطًا داخلية نتيجة الاستعانة ببعض التيارات السياسية المرتبطة بالنظام السابق.

حول تأثير البيان المصري على الوضع الميداني، أكد عبد الواحد أنه منح دفعة معنوية كبيرة للجيش السوداني، حيث اعتبره الشارع السوداني رسالة دعم قوية في مواجهة حرب غير متكافئة. وأوضح أن الجيش السوداني يقاتل بدافع وطني، بينما تقاتل قوات الدعم السريع بدوافع مادية.

أضاف أن الجندي السوداني يحتاج إلى الأمل والدعم السياسي والمعنوي لإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار، مؤكدًا أن الدعم المصري سيساهم في تعزيز صمود الجيش السوداني وقد يمهد لتحقيق تقدم عسكري ملموس.

أكد الدكتور طارق البرديسي، أستاذ العلوم السياسية، أن زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى مصر جاءت في توقيت حساس مع تفاقم الأزمة السودانية، مما يجعل القاهرة محطة مهمة للبحث عن دعم سياسي وربما وساطة للحل. وأكد أن الحفاظ على أمن السودان هو من ثوابت الدولة المصرية.

أكد البرديسي أن العلاقات المصرية السودانية ضاربة بجذورها في التاريخ، وأن القاهرة كانت وما زالت داعمًا لوحدة السودان وسلامة مؤسساته. كما أشار إلى ضرورة وقفة جادة من مصر بعد استمرار الاشتباكات في الخرطوم وأم درمان، وانهيار البنية التحتية في عدد من المناطق.

تتزايد الأوضاع الإنسانية سوءًا مع نزوح الملايين، مما يتطلب تحركًا سريعًا من مصر لدعم السودان في هذه الظروف الصعبة.