تعتبر الهيئات الاقتصادية من العناصر المهمة التي تدعم النمو الاقتصادي وتساعد في تحقيق الاستقرار المالي، حيث تلعب دورًا أساسيًا في تنظيم الأنشطة الاقتصادية وتعزيز الاستثمار، لكن تواجه هذه الهيئات بعض التحديات المالية والإدارية نتيجة تغيرات محلية وعالمية، أو ضعف في الكفاءة التشغيلية، مما يؤدي إلى خسائر تؤثر على قدرتها في تحقيق أهدافها.

في هذا الإطار، أصبح دمج الهيئات الاقتصادية خيارًا استراتيجيًا لمعالجة الخسائر وتحسين الأداء، من خلال توحيد الموارد وتقليل التكرار في المهام، مما يساهم في رفع كفاءة الإنفاق وتعزيز الحوكمة. يُعتبر الدمج خطوة إصلاحية تهدف إلى تحقيق الاستدامة المالية وتعظيم الأثر الاقتصادي، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد بما يخدم المصلحة العامة.

الهيئات تمتلك أصولًا ضخمة ومتنوعة

أوضح الدكتور عز الدين حسانين، أستاذ التمويل والاستثمار، أن تحويل الهيئات الاقتصادية من كيانات خاسرة إلى رابحة ليس مجرد أرقام، بل هو إعادة هيكلة شاملة لمنطق الإدارة واستغلال الموارد. وأشار إلى أن هذه الهيئات تمتلك أصولًا متنوعة مثل الأراضي والمباني، لكن الفارق يكمن في كيفية إدارتها بأسلوب استثماري حديث، لتحويلها من عبء إلى قاطرة للنمو.

وأضاف حسانين، أن الحكومة المصرية اتخذت قرارات مهمة في ديسمبر 2025 لإعادة هيكلة 59 هيئة اقتصادية بعد دراسات معمقة، وأسفرت النتائج عن الإبقاء على 39 هيئة ككيانات مستقلة، معظمها هيئات سيادية تحقق أرباحًا أو تؤدي أدوارًا أساسية. كما أوصت الدراسة بدمج 7 هيئات تعمل في أنشطة مشابهة لتقليل الازدواجية، وتصفية 4 هيئات أثبتت عدم جدواها، وتحويل 9 هيئات من ربحية إلى عامة خدمية.

عوامل هيكلية واجتماعية

وأشار حسانين إلى أن خسائر بعض الهيئات لا تعود فقط إلى سوء الإدارة، بل تتداخل معها عوامل هيكلية واجتماعية مثل التسعير الاجتماعي، الذي يجبر بعض الهيئات على تقديم خدمات بأقل من تكلفتها لدعم المواطن. كما أن وجود عمالة زائدة وتضخم الجهاز الإداري يزيد من الأعباء، بالإضافة إلى المديونيات المتراكمة وتراجع التكنولوجيا.

وأكد حسانين أن الحل لا يكمن في إجراء واحد، بل يتطلب حزمة من الإصلاحات، تبدأ بفصل الأدوار الاجتماعية عن الاقتصادية، مع ضرورة التحول الرقمي وتطبيق مبادئ الحوكمة، واستبدال الأنظمة الورقية بأخرى ذكية، وربط الأجور بالإنتاجية.

الدمج يسهم في خلق كيانات اقتصادية عملاقة

أوضح حسانين أن الدمج يساعد في إنشاء كيانات اقتصادية قوية ذات قدرة ائتمانية أعلى، ما يسهل عليها الحصول على تمويلات بتكلفة أقل لمشروعات كبرى، كما يقلل من الدين العام، حيث أن تحول الهيئات إلى الربحية يقلل اعتمادها على الاقتراض.

الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أشار إلى أن استمرار خسائر العديد من الهيئات يثير تساؤلات حول جدوى استمرارها، واعتبر أن المشكلة أصبحت أزمة إدارة وسياسات اقتصادية متراكمة. كما أكد أن تقديم “روشتة علاج” لهذه الهيئات أصبح أمرًا صعبًا، إذ تعكس المؤشرات الحالية تضخمًا متزايدًا وتراجعًا في مستوى المعيشة.

مقترحات دمج الهيئات الاقتصادية

أضاف النحاس أن مقترحات دمج الهيئات استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي، وقد تم تنفيذها جزئيًا، لكن دمج هيئات رابحة مع أخرى خاسرة دون إعادة هيكلة لن يؤدي إلا إلى نقل الخسائر. ولفت النحاس إلى أن هناك خلطًا بين الإدارة السياسية والاقتصادية، مؤكدًا أن إدارة الكيانات تحتاج إلى كوادر قادرة على العمل بعقلية استثمارية.

ملف الهيئات الاقتصادية

أكد النحاس أن ملف الهيئات الاقتصادية أكبر من مجرد دمج أو فصل، فهو يرتبط بمنظومة كاملة تتطلب رؤية شاملة للإصلاح. وانتقد تضخم الدين العام، مشيرًا إلى أن الدولة تعتمد على الاستدانة لسداد أعباء الديون السابقة، ما يضع الاقتصاد في حلقة مفرغة.

الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أوضح أن دمج الهيئات يعتبر أداة إصلاح، لكنه ليس حلًا سحريًا لمشكلة الخسائر. وأكد أن الدمج يكون فعالًا فقط في حالات معينة، مثل وجود تداخل في الأنشطة أو تضخم إداري.

الحل الأمثل للهيئات الاقتصادية

أضاف الإدريسي أن الحل لا يقتصر على إجراء واحد، بل يتطلب حزمة إصلاحات هيكلية، تبدأ بتصنيف الهيئات وفق طبيعة نشاطها. وشدد على أهمية إعادة الهيكلة قبل الدمج، وتصحيح الأوضاع المالية للهيئات.

أهمية التوسع في الشراكة مع القطاع الخاص

كما أكد الإدريسي على أهمية التوسع في الشراكة مع القطاع الخاص، سواء من خلال الإدارة أو التشغيل، أو طرح نسب من بعض الهيئات في البورصة. وأوضح أن هناك هيئات ثبت عدم جدواها، مما يستدعي اتخاذ قرارات حاسمة بإغلاقها أو تصفيتها.