قال الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، إن استمرار خسائر عدد من الهيئات الاقتصادية على مدار سنوات يثير تساؤلات مهمة حول أسباب هذا النزيف، ويطرح تساؤلات حول مدى جدوى استمرار هذه الكيانات بالشكل الحالي، مؤكدًا أن المشكلة أصبحت تتعلق بالإدارة والسياسات الاقتصادية المتراكمة، وليس مجرد أرقام.

وأوضح النحاس، في تصريحات خاصة، أن الحديث عن “روشتة علاج” لهذه الهيئات بات أمرًا معقدًا، حيث تشير المؤشرات على الأرض إلى تضخم متزايد يؤثر سلبًا على دخول المواطنين، وتراجع مستمر في قيمة العملة، مع ارتفاع العجز والدين العام، دون أن يصاحب ذلك أي تحسن ملموس في مستوى المعيشة أو النشاط الإنتاجي.

مقترحات دمج الهيئات الاقتصادية

أضاف النحاس أن مقترحات دمج الهيئات الاقتصادية قد طُرحت استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي، وتم تنفيذها جزئيًا ثم تراجعت، بحجة عدم الجاهزية لتطبيق الموازنة الموحدة، مشيرًا إلى أن دمج هيئات رابحة مع أخرى خاسرة دون إعادة هيكلة حقيقية لن يؤدي إلا إلى نقل الخسائر من كيان إلى آخر، وليس حل المشكلة من جذورها.

وأكد النحاس أن الخسائر المتراكمة تعكس فشلًا إداريًا واضحًا، مشيرًا إلى اعتراف بعض المسؤولين الحكوميين بسوء الإدارة، متسائلًا: “إذا كان المسؤول يعترف بعدم قدرته على الإدارة، فماذا ننتظر من باقي مستويات الجهاز الإداري؟”

وأشار الخبير الاقتصادي إلى وجود خلط مستمر بين الإدارة السياسية والإدارة الاقتصادية، مؤكدًا أن إدارة الكيانات الاقتصادية تحتاج إلى كوادر قادرة على العمل بعقلية استثمارية واحترافية، وليس بعقلية بيروقراطية، مشددًا على الفارق بين التكنوقراط الحقيقيين والإدارة السياسية في تحقيق الكفاءة والعائد.

ملف الهيئات الاقتصادية

أكد النحاس أن ملف الهيئات الاقتصادية أكبر وأعمق من مجرد دمج أو فصل، فهو يرتبط بمنظومة كاملة تشمل الشفافية، والحسابات المالية، ودور وزارة المالية، وتراكمات ما بعد عام 2011، معتبرًا أن غياب رؤية شاملة للإصلاح هو السبب الرئيسي لاستمرار الخسائر، مهما تغيرت الأشكال أو المسميات.

وانتقد النحاس تضخم الدين العام، موضحًا أن الدولة تعتمد بشكل أساسي على الاستدانة، ليس من أجل الاستثمار المنتج، ولكن لسداد أعباء الديون السابقة وفوائدها، مما يضع الاقتصاد في حلقة مفرغة تتحمل كلفتها الطبقات المتوسطة والفقيرة، سواء عبر خفض قيمة العملة أو تآكل الدخول، مؤكدًا أن ما تم كشفه مؤخرًا بشأن تمويل مشروعات خارج الموازنة العامة يوضح حجم الأزمة، حيث تبين أن هذه المشروعات تم تمويلها بالاقتراض بضمان الهيئات والمؤسسات، مما أدى لاحقًا إلى تحميل هذه الهيئات بمديونيات ضخمة، لتظهر ككيانات خاسرة رغم أنها لم تكن صاحبة قرار الاقتراض من الأساس.