لقد بدأت حكايتنا بجميزة غابت عن المشهد، لكنها بقيت في ذاكرتي تفتح بابًا بعد باب. ففي مقالي الأول المنشور على منصة «البوابة نيوز» بعنوان «نحو قانون يعزز الزراعة المجتمعية في المدن».

سألت: كيف نصون حق الإنسان في الظل والثمر، من غير أن نتجاهل حاجات المدينة إلى التطوير والسلامة؟ وحين بدأت البحث لهذا الجزء الثاني، لم أتوقع أن تقودني شجرة واحدة إلى هذا العدد من الفتاوى والأحكام، ولا أن أجد في كل تجربة قطعة من الإجابة. من الزمالك والإسكندرية إلى بولندا ولندن ومومباي وكولومبيا البريطانية، أخذت أتتبع سؤالًا واحدًا: كيف نوازن، بالدليل والقانون، بين منفعة المشروع وقيمة الشجرة؟

وفي مقالنا الأول اقترحت سجلًا للأشجار، وتقييمًا فنيًا يسبق الإزالة، وتعويضًا يراعي عمر الشجرة وخدماتها البيئية. أما هنا، فقد أردت أن أختبر هذه الأفكار في ضوء ما قالته جهات الفتوى وما كشفته المحاكم: كيف يُثبت الخطر؟ ومن يملك قرار الإزالة؟ ومتى تقوم المسؤولية؟ وكيف نعرف أن شجرة بديلة أعادت بالفعل ما فقده المكان؟

كلما تقدمت في البحث، اتضح لي أن الحماية لا تنتهي عند غرس الشجرة. فقد تقف الشجرة لاحقًا في مسار طريق أو مرفق، وقد تلامس جذورها مبنى، وقد يثبت أنها مريضة أو آيلة للسقوط. عند هذه اللحظة تحديدًا ينتقل النقاش من العاطفة إلى الاختبار القانوني:

هل يقوم القرار على فحص واضح وبدائل مدروسة، أم على تقدير عام لا يكشف كيف وُزنت المصالح؟

  • وهكذا تغيّر سؤالي: لم يعد لماذا نزرع؟ بل كيف نقرر الإزالة؟ وعلى أي أساس؟ ومن يتحمل الضرر؟ وهل تستطيع شتلة صغيرة أن تعيد سريعًا ظل شجرة صنعت للمكان هويته عبر عشرات السنين؟

وكانت أول مفاجأة في رحلتي أن هذا الاختبار القانوني بدأ قبل نحو سبعة عقود.

المحطة الأولى: شجرة الزمالك تفتح الملف. لم تكن هناك منصات تنشر صور الأشجار المقطوعة، ولا حملات إلكترونية تدافع عن الغطاء الأخضر. ومع ذلك، وجدتُ أن شجرة واحدة في شارع أحمد حشمت بالزمالك كانت كافية لفتح ملف قانوني أمام جهات الفتوى والتشريع بمجلس الدولة. هنا شعرتُ أن العناية بالشجرة ليست ابنة الحساسية البيئية الحديثة وحدها؛ فقد ظهرت في أوراق القانون قبل أن تدخل حياتنا مصطلحات المناخ والبصمة الكربونية.

ترجع الواقعة إلى إتلاف شجرة أثناء أعمال حفر ارتبطت باستبدال مواسير الغاز. وكانت إدارة الفتوى والتشريع لوزارة الشؤون البلدية والقروية قد أصدرت فتواها رقم 280 بتاريخ 26 يناير 1958 بمطالبة إدارة الكهرباء والغاز بقيمة الخسائر، ثم عُرض النزاع على الجمعية العمومية للقسم الاستشاري للفتوى والتشريع بجلستها المنعقدة في 23 سبتمبر 1958، فانتهت إلى مسؤولية الإدارة عن تعويض بلدية القاهرة. واستند الرأي إلى مسؤولية المتبوع عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعًا منه حال تأدية وظيفته أو بسببها، وفق المادة 174 من القانون المدني.

توقفتُ طويلًا أمام هذا الرأي. فهو لم يمنح الشجرة شخصية قانونية، ولم يستخدم لغة تغير المناخ أو العدالة البيئية، لكنه قال شيئًا بالغ البساطة والأهمية: تنفيذ عمل نافع لا يعفي القائمين عليه من العناية، وإتلاف الشجرة أثناء العمل قد يرتب مسؤولية وتعويضًا. عندها بدأت أرى أن حماية الشجرة يمكن أن تنشأ من داخل القواعد العامة للمسؤولية، لا من خارجها.

ومن هذه المحطة خرجتُ بفكرة أولى: المرفق العام قد يحتاج إلى الحفر ومد المواسير وتوسعة الطرق، لكن بين إنجاز المشروع والمحافظة على الشجرة مساحة رحبة للتخطيط وتعديل المسار واختيار الوسيلة الأقل ضررًا. ليست المسألة مواجهة بين التنمية والطبيعة، بل جودة في إدارة العلاقة بينهما.

المحطة الثانية: الحماية لا تستغني عن الدليل. بعد أكثر من ستين عامًا، عُرض على الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع نزاع بين الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة وبنك ناصر الاجتماعي، حول تلفيات لحقت بأربع أشجار أمام أحد مقار البنك.

طالبت الهيئة البنك بقيمة التلفيات، لكن الأوراق والتحريات دلّت على أن شخصًا لا يتبع البنك هو من أحدثها. ومن ثم رفضت الجمعية العمومية المطالبة، لعدم ثبوت صدور الفعل من البنك أو من أحد تابعيه.

هنا اكتملت أمامي صورة أخرى. فحماية الأشجار لا تعني أن نُلزم أي جهة بالتعويض لمجرد وقوع الضرر بالقرب منها. لا بد أولًا من تحديد مرتكب الفعل، وإثبات الخطأ والضرر وعلاقة السببية، ثم التحقق من رابطة التبعية واتصال الفعل بالوظيفة إذا كانت المطالبة قائمة على مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه.

ولا تقوم مسؤولية المتبوع إلا إذا ثبت أولًا أن الفعل الضار صدر عن تابع له حال تأدية وظيفته أو بسببها. فإذا كان الفاعل شخصًا أجنبيًا عن الجهة، لم تقم رابطة المسؤولية في مواجهتها.

كان هذا الدرس مهمًا بقدر الدرس الأول: العدل البيئي لا ينفصل عن عدالة الإثبات. فلا نخدم الشجرة إذا حمّلنا المسؤولية لمن لم يرتكب الفعل، وإنما نخدمها حين نصل إلى المسؤول الحقيقي ونحاسبه بالقانون.

المحطة الثالثة: أشجار الإسكندرية وحدود النص القائم. في 18 يناير 2026، أصدرت الدائرة الثالثة والخمسون أفراد بمحكمة القضاء الإداري في الإسكندرية حكمها في الدعوى رقم 21271 لسنة 79 قضائية. وكان أحد المواطنين قد طلب وقف تنفيذ وإلغاء ما اعتبره قرارًا إداريًا بقطع أشجار في شارع طريق الحرية، المعروف أيضًا بشارع أبو قير، مع طلب احتياطي بندب خبير لتقييم حالة الأشجار والأثر البيئي المحتمل لإزالتها.

أعادت المحكمة تكييف الطلب باعتباره طعنًا على امتناع الإدارة عن إصدار قرار يمنع قطع الأشجار إلى أن تُجرى دراسة لتقييم الأثر البيئي.

وأوضحت جهة الإدارة أن الأعمال تتعلق بتوسعة مرورية للمنفعة العامة، وأن الأشجار الواقعة في نطاق التوسعة من نوع الفيكس البلدي، وأن جذورها تؤثر في البنية التحتية وتستهلك كميات مرتفعة من المياه. كما ذكرت أنه ظهر أثناء الإزالة انتشار للنمل الأبيض جعل بعض الأشجار مجوفة من الداخل، بما يمثل خطرًا على السيارات والمارة في حالة سقوطها.

وأضافت الإدارة أنها رفعت الأشجار السليمة بجذورها وأعادت زراعتها في مشتل الإدارة العامة للحدائق المركزية، وأعدت مخططًا لزراعة أشجار ونباتات تتفق مع الهوية البصرية لمحافظة الإسكندرية وتوصيات الدليل الاسترشادي لوزارة البيئة.

وانتهت المحكمة إلى عدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري السلبي؛ إذ لم تجد في النصوص التي استند إليها المدعي التزامًا قانونيًا على جهة الإدارة بإصدار قرار يمنع قطع الأشجار إلى حين إجراء دراسة لتقييم الأثر البيئي، كما رأت أن المادة 28 من قانون البيئة والملحق الرابع للائحته التنفيذية لا ينطبقان على الأشجار محل النزاع. وألزمت المدعي المصروفات.

لم أقرأ الحكم باعتباره انتصارًا للقطع أو هزيمة للحماية؛ فذلك تحميل له بما لم يقض به. قرأتُ فيه حدود النص القائم: لا التزام عام، وفق النصوص التي طُرحت في الدعوى، بإعداد دراسة أثر بيئي قبل كل إزالة. وفي الوقت نفسه، كشفت الوقائع عناصر لا غنى عنها لأي تنظيم أكثر اكتمالًا: معرفة نوع الشجرة وحالتها، وتقدير الخطر، وبحث العلاج أو النقل، ثم وضع برنامج إحلال واقعي يمكن متابعته.

ومن ثم لم يعد سؤالي هل يجوز إزالة شجرة ثبت فنيًا أنها آيلة للسقوط، بل كيف نجعل عبارات «التطوير» و«السلامة» أكثر تحديدًا وشفافية، عبر تقارير واضحة وخطط جادة لاستعادة الغطاء الشجري. هكذا تتحول الضرورة من شعار إلى قرار يمكن فهمه ومراجعته.

المحطة الرابعة: من بولندا تعلمتُ أن السلامة تحتاج إلى دليل. في أوروبا، نظرت محكمة العدل للاتحاد الأوروبي نزاعًا يتعلق بغابة بياوفيجا في بولندا، وهي من أفضل الغابات الطبيعية الباقية في القارة، وتضم أعدادًا كبيرة من الأشجار القديمة.

كانت السلطات البولندية قد سمحت بزيادة قطع الأشجار، مستندة إلى انتشار خنفساء لحاء شجر التنوب وإلى اعتبارات السلامة العامة. لكن محكمة العدل للاتحاد الأوروبي قضت، في 17 أبريل 2018، في القضية رقم C‑441/17، بأن عمليات إدارة الغابات خالفت التزامات بولندا بموجب قانون الاتحاد الأوروبي؛ لأن السلطات لم تكن تملك جميع البيانات اللازمة لتقييم آثار التدخل في سلامة الموقع، ولم تجر تقييمًا مناسبًا يزيل الشك العلمي بشأن آثاره الضارة. كما لاحظت المحكمة أن القرارات سمحت بالقطع لأسباب تتعلق بالسلامة العامة من دون تحديد الشروط الدقيقة التي تبرره.

أدهشني في هذه القضية أنها لم تنكر مشروعية السلامة، بل رفعت مستوى البرهنة عليها. فالمرض النباتي يحتاج إلى بيانات، والخطر يحتاج إلى تقييم، والاستثناء يحتاج إلى حدود واضحة تميز بين الشجرة المصابة والشجرة السليمة. كان الدرس هنا أن القرار الأقوى ليس الأكثر حزمًا في عباراته، بل الأكثر قدرة على إظهار دليله.

المحطة الخامسة: من لندن تعلمتُ أن الحماية تعني الإدارة. لكن حماية الأشجار لا تعني تركها من دون إدارة حتى تضر بالناس أو الممتلكات. ففي القضية البريطانية Delaware Mansions Ltd v Westminster City Council، التي فصل فيها مجلس اللوردات في 25 أكتوبر 2001 تحت المرجع [2001] UKHL 55، تسببت جذور شجرة دلب كبيرة مملوكة للمجلس المحلي في جفاف التربة الطينية وظهور تشققات في مبانٍ مجاورة.

تعامل القضاء مع امتداد الجذور باعتباره إزعاجًا مستمرًا، وأقر إمكان استرداد النفقات المعقولة اللازمة لمعالجة الضرر وإزالة مصدره. ولم يكن الحكم دعوة إلى قطع كل شجرة تقترب جذورها من بناء، بل كان تأكيدًا لواجب المالك في اتخاذ خطوات معقولة عندما يعلم بالخطر وتتاح له فرصة التدخل.

أعادتني هذه القضية إلى نقطة التوازن. فالشجرة المحمية ليست شجرة متروكة حتى تضر بالناس أو الممتلكات. الحماية الحقيقية تبدأ بالفحص الدوري والتقليم العلمي وحماية الجذور واختيار النوع الملائم للمكان. وما بدا لي واضحًا أن حسن الاختيار منذ يوم الزراعة قد يمنع نزاعًا وتعويضًا بعد سنوات طويلة.

المحطة السادسة: في مومباي صار لكل شجرة رقم وحكاية. وفي الهند، خضعت أشجار غابة آري في مومباي لرقابة المحكمة العليا ضمن النزاع المتعلق بإنشاء مستودع لمترو المدينة.

يكشف الحكم الصادر في 29 نوفمبر 2022، في الطلب رقم 169860 لسنة 2022 ضمن الدعوى المقامة من المحكمة من تلقاء نفسها رقم 2 لسنة 2019، عن أهمية حصر الأشجار وتحديد ما أُذن بقطعه وما قُطع بالفعل. وقد سمحت المحكمة لشركة المترو بعرض طلب يتعلق بقطع 84 شجرة على سلطة الأشجار المختصة، ولم تمنحها ترخيصًا مفتوحًا بتجاوز ذلك العدد.

وفي 17 أبريل 2023، عادت القضية إلى المحكمة بعدما اتسع نطاق الطلب. وأظهرت الأوراق طلب إجراء مسح محدث، وبيان الأشجار المفقودة أو الميتة أو الساقطة، وترقيم الأشجار في الموقع، وتحديد الأراضي المخصصة للنقل والتشجير التعويضي. وانتقدت المحكمة محاولة تجاوز نطاق الإذن القضائي السابق.

في مومباي وجدتُ التفاصيل التي كنت أبحث عنها: عدد الأشجار، وأنواعها، وحالتها، وما سينقل منها وما سيقطع، وأين ستزرع البدائل، ومن سيتابعها بعد الغرس. بدت الفكرة بسيطة، لكنها غيّرت رؤيتي: الشجرة التي لا تدخل السجل قد تغيب بسهولة من الحساب، أما الشجرة التي تحمل رقمًا وبيانات ومسؤولًا عن متابعتها، فتدخل القرار بوصفها قيمة قابلة للحماية والقياس.

المحطة السابعة: في كندا سألتُ عن قيمة ما لا يُرى. وفي كندا، بحثت المحكمة العليا سنة 2004 قضية حريق أضر بنحو 1491 هكتارًا من الغابات في كولومبيا البريطانية. وتمثلت إحدى المسائل في كيفية تقييم خسارة الأشجار القابلة للاستغلال وتلك الموجودة في مناطق حساسة بيئيًا.

لم تمنح المحكمة في تلك الدعوى تعويضًا مستقلًا عن القيمة البيئية للأشجار، لأن المطالبة لم تقم على نظرية متماسكة للضرر، ومنهج مناسب للتقييم، وأدلة تكفي لإثبات الخسارة البيئية، عدا تكاليف الاستعادة المتفق عليها.

لم تعتبر المحكمة مجرد القول بالقيمة البيئية كافيًا، وهنا وجدتُ درسًا عمليًا لا يقل أهمية عن الاعتراف بالقيمة نفسها: علينا أن نحدد عناصر الضرر، وأن نبني منهجًا قابلًا للفحص، وأن نقدم دليلًا يربط الخسارة بالمبلغ المطلوب. فالقيمة المعنوية والبيئية تصبح أقوى حين تجد لغة قياس منضبطة.

فإذا قُطعت شجرة معمرة، فهل يكون التعويض مساويًا لثمن أخشابها؟ أم لتكلفة شتلة بديلة؟ وأين قيمة السنوات التي تحتاجها الشتلة حتى تمنح قدرًا قريبًا من الظل؟ وأين أثر الشجرة في خفض الحرارة وامتصاص الملوثات وحماية الطيور وتحسين المشهد العمراني؟

وهنا وصلتُ إلى خلاصة لم تفارقني: الشتلة بديل زراعي ضروري، لكنها لا تمثل، بمجرد غرسها، تعويضًا زمنيًا أو بيئيًا كاملًا عن شجرة ناضجة؛ فالزمن نفسه جزء من قيمة الشجرة. ومن ثم قد يقتضي قطع شجرة واحدة زراعة عدد كبير من الأشجار البديلة—قد يبلغ، بحسب نوع الشجرة وعمرها وخدماتها البيئية، مئة شجرة—مع رعايتها ومتابعة نموها حتى تحقق، بقدر قابل للقياس، تعويضًا حقيقيًا عما فُقد.

ومن يحضر عن الشجرة حين يُصنع القرار؟ بعد هذه الرحلة، بدا لي أن الحماية المقترحة تحتاج إلى باب مفتوح للمراجعة وإلى معلومات تصل في الوقت المناسب. فالمجتمع لا يستطيع أن يقدم رأيًا مفيدًا بعد انتهاء العمل، وإنما حين تكون البدائل ما تزال ممكنة، وحين يكون التقرير الفني متاحًا للنقاش الهادئ.

وفي هذا الإطار، أرى أن الإعلان المسبق في الحالات المهمة، وإتاحة التقرير الفني، والاستماع إلى الاعتراضات الجادة، ليست أدوات لتعطيل المشروعات، بل وسائل لتحسين القرار وكشف ما قد يغيب عن التقدير الأول والوصول إلى بدائل تحقق المنفعة بأقل قدر ممكن من الضرر.

وفي التنظيم التشريعي المقترح، لا تعني المشاركة أن كل اعتراض يمنع المشروع، ولا أن الإدارة ملزمة بالوصول إلى اتفاق مع كل معترض. وإنما تعني إعلان المعلومات الجوهرية في وقت مناسب، وإتاحة التقرير الفني، وتلقي الاعتراضات الجادة والرد عليها بأسباب قابلة للمراجعة، حتى يكون القرار الذي يمس موردًا بيئيًا مشتركًا مفهومًا ومسببًا، ويظل تفادي الضرر ممكنًا قبل وقوعه.

عندما وضعتُ الفتاوى والأحكام جنبًا إلى جنب، لم أجد قاعدة واحدة جاهزة، بل وجدت عناصر تتكامل: وقاية تبدأ بالحصر والفحص، وقرار إزالة يستند إلى أسباب محددة، ومسؤولية لا تقوم إلا بالدليل، وتعويض يراعي الضرر الثابت، وموازنة لا تنسى قيمة الظل والخدمات البيئية إلى جانب تكلفة المشروع. ومن هذا التلاقي بدأت تتضح أمامي ملامح معيار متدرج يمكن أن يستفيد منه التشريع المقترح.

ولذلك لا أعود هنا إلى طرح قانون الزراعة المجتمعية المثمرة والبساتين الحضرية من بدايته، بل أستكمل ضماناته بما تعلمته من الفتاوى والأحكام المعروضة: سجل محلي محدث للأشجار المعمرة والمثمرة؛ وفحص فني موثق قبل الإزالة كلما سمحت طبيعة الخطر؛ وتسبيب مكتوب يبين الضرورة والبدائل؛ وترتيب للوسائل يبدأ بالعلاج وتعديل مسار العمل، ثم النقل متى أمكن، ولا ينتهي إلى القطع إلا عند الضرورة؛ وتعويض ينظر إلى عمر الشجرة وحالتها وخدماتها البيئية وقيمتها الغذائية والاجتماعية، لا إلى ثمن خشبها وحده.

كما ينبغي أن يرتبط الترخيص بالإزالة، في الأحوال التي يحددها القانون، بخطة إحلال قابلة للقياس، تبين عدد الأشجار البديلة وأنواعها ومواقعها والجهة المسؤولة عن رعايتها ومؤشرات بقائها ونموها.

وأصبحتُ أنظر إلى التشجير التعويضي بطريقة مختلفة. النجاح لا يتحقق يوم غرس الشتلات، بل حين تثبت المتابعة الدورية أنها بقيت ونمت، وأنها أعادت، خلال مدة محددة، قدرًا قابلًا للقياس من الغطاء الشجري والخدمات البيئية التي فقدها المكان.

في مقالى الأول قلتُ إن الشجرة في المدينة ليست زينة، بل هى شريك يطعمنا ويبرّد هواءنا. وبعد هذه الرحلة، ازددت اقتناعًا بأن هذه الشراكة قابلة للتحول إلى ممارسة مؤسسية واضحة: قواعد تضبط قرار الإزالة، وتحدد عبء الإثبات، وتعين المسؤول عن الضرر، وتقيس نجاح الإحلال متى وقع. فالقانون لا يحمي الشجرة وحدها، بل يساعد الإدارة والمجتمع على اتخاذ قرار أفضل وأكثر قابلية للتنفيذ.

اننا لا نبحث عن قانون يمنع القطع في جميع الأحوال، بل عن تنظيم يرفع جودة القرار: يبدأ بالفحص، ويجعل البدائل جزءًا من التقييم، ويستفيد من المشاركة لتحسين الحلول، ويعامل نقل الأشجار السليمة خيارًا جديًا متى كان ممكنًا فنيًا. وبهذا يمكن أن يلتقي التطوير مع التخطيط والشفافية واستعادة ما يفقده المكان، بدلًا من أن يُقدَّم أحدهما على حساب الآخر.

وفي الإطار التشريعي الذي أقترحه، إذا رأت الجهة المختصة ضرورة الإزالة، وجب أن تبيّن أسبابها وفق الضوابط التي يحددها القانون. وإذا ثبت ضرر موجب للمسؤولية، نُسب إلى المسؤول عنه وجُبر وفق القواعد العامة. أما الشجرة السليمة القادرة على منح الظل والثمر، فيكون الإبقاء عليها نقطة البدء في الموازنة، ولا يُعدل عنه إلا لضرورة تستند إلى أسباب فنية وقانونية قابلة للمراجعة. بهذه الضمانات لا تتعطل المشروعات، بل تصبح قراراتها أوضح وأقوى وأكثر قبولًا.

وهكذا أعادتني الرحلة إلى الجميزة الأولى، لكن بصورة أكثر أملًا. فالحق في الظل والثمر لا يبقى أمنية شاعرية حين يجد سجلًا دقيقًا، وفحصًا مهنيًا، وقرارًا مسببًا، ومشاركةً واعية، وتعويضًا قابلًا للقياس. عندئذ يصبح ممكنًا أن نبني مدنًا تتطور من دون أن تفقد ذاكرتها الخضراء، وأن نجعل كل شجرة نحافظ عليها أو نزرعها اليوم استثمارًا هادئًا في صحة الأجيال المقبلة وجودة حياتها.