نسرين بوزيان.
عرض وزير العدل حافظ الأختام، لطفي بوجمعة، اليوم ، أمام لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات وحقوق الإنسان والتنظيم المحلي وتهيئة الإقليم والتقسيم الإقليمي لمجلس الأمة، نص قانون يعدل ويتمم الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 18 صفر عام 1386 الموافق 8 يونيو سنة 1966 والمتضمن قانون العقوبات.
كما قدم الوزير عرضا حول نص قانون يتضمن الموافقة على الأمر رقم 26-01 المؤرخ في 12 صفر عام 1448 الموافق 27 يوليو سنة 2026 والمتضمن قانون القضاء العسكري، وذلك بحضور وزيرة العلاقات مع البرلمان، نجيبة جيلالي، وممثل عن وزارة الدفاع الوطني.
وفي مستهل عرضه، أوضح بوجمعة أن قانون العقوبات يعد من أهم القوانين بالنظر إلى ارتباطه بتحقيق الأمن الداخلي للمجتمع وحماية الأشخاص والممتلكات من مختلف أشكال الجريمة، فضلا عن تكريسه للمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات المنصوص عليه في المواثيق الدولية، ولاسيما المادة 167 من الدستور الجزائري التي تقضي بأن العقوبات الجزائية تخضع لمبادئ الشرعية والشخصية.
وأشار الوزير إلى أن هذا المبدأ يمنع متابعة أي شخص عن فعل لم يجرمه القانون، كما يفرض على المشرع مواكبة الحركية الاجتماعية والتطور المستمر الذي يشهده المجتمع، والتصدي لمختلف أشكال الجريمة بحزم، والاستجابة لتطور أساليب ارتكابها وتنوعها.
وفي هذا الإطار، ذكر أن الدولة بادرت على فترات متعاقبة إلى إدخال التعديلات الضرورية على قانون العقوبات كلما اقتضت الحاجة ذلك، موضحا أن نص القانون المعروض يندرج ضمن هذا المسعى من خلال استهداف بعض أشكال الجرائم التي عرفت انتشارا كبيرا خلال السنوات الأخيرة.
كما لفت بوجمعة أن النص الذي يعدل ويتمم الأمر رقم 66-156 المتضمن قانون العقوبات، يندرج ضمن مكافحة الجرائم الخطيرة، من خلال مراجعة الأحكام المتعلقة بالحرائق وتعزيز الحماية الجزائية للأطفال، وذلك بإقرار أقصى العقوبات قصد دحر هذه الأفعال والقضاء عليها، باعتبارها أفعال دخيلة على المجتمع ولا تمت بأي صلة بتعاليم الدين الإسلامي، بما يضمن أمن وسلامة المواطنين وحماية الأملاك العمومية والخاصة.
وفيما يتعلق بالمحور الأول، أوضح الوزير أنه يخص جرائم الحرائق لاسيما في ظل الحرائق التي شهدتها بعض مناطق الوطن خلال السنوات الأخيرة وخلفت العديد من الضحايا، مبرزا أن هذه الجرائم لا تقتصر آثارها على إتلاف الممتلكات العمومية والخاصة، وإنما قد تأخذ طابع منظم يرقى إلى مستوى الجريمة المنظمة، كما تشكل تهديد مباشر للنظام العام والأمن والاستقرار الاجتماعي والاقتصاد الوطني، وهو ما أكدته التحقيقات القضائية والأمنية المنجزة خلال السنوات الأخيرة، والتي كشفت عن تحول خطير ومقلق في أساليب ارتكاب الحرائق، لاسيما حرائق الغابات، وما خلفته من آثار جسيمة على حياة الأشخاص والثروة النباتية والتوازنات البيئية والتنوع البيولوجي، فضلا عن انعكاساتها على الاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، اعتبر بوجمعة أن الاستهداف المتعمد للمقومات البيئية والاقتصادية من خلال إضرام الحرائق، والذي قد يتم أحيانا بتحريض أو إيعاز من جهات أجنبية، يشكل شكل صريح من أشكال الخيانة وانتهاكا لسلامة التراب الوطني، لافتا إلى أن الخطورة الإجرامية لهذه الأفعال تزداد من خلال استغلال الظروف المناخية والوسائل المتطورة لإحداث أضرار جسيمة وزعزعة الاستقرار الاجتماعي والأمني.
وأكد الوزير أن تشديد العقوبات المقترح في هذا المجال يجسد الإرادة السياسية الصارمة للسلطات العليا في البلاد، وعلى رأسها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون للتصدي لهذه الظواهر الإجرامية وتحقيق الردع العام والخاص وحماية البلاد.
وفي هذا الإطار، أوضح أن النص يقترح الحكم بالإعدام على كل من يتعمد إضرام النار في الغابات أو الغيضات أو الحقول المزروعة أو غير المزروعة، أو الأشجار، أو مقاطع الأشجار، أو الأخشاب المقطوعة أو أكوام أو مكعبات الخشب الموجودة داخل الغابات ، كما يقترح العقوبة ذاتها على كل من يتعمد إضرام النار في أي ملك عمومي أو خاص، إذا ارتكب الفعل بطلب من دولة أجنبية أو لحسابها، أو في إطار أعمال الخيانة أو التجسس لفائدة جهة أجنبية، أو من طرف جماعة إجرامية منظمة، أو عندما يكون الهدف منه المساس بالأمن أو النظام العام، أو الوحدة الوطنية، أو استقرار المؤسسات وحسن سيرها، أو الاقتصاد الوطني، أو الإضرار بالبيئة والتوازن البيئي، أو بالثروة الغابية والنباتية والحيوانية والفلاحية.
ولفت بوجمعة إلى أن المسؤولية لا تقتصر على الفاعل الأصلي لتشمل العقوبة كل من يحرض أو يشجع أو يمول أو يساهم أو يحضر أو يسهل ارتكاب هذه الأفعال بأي وسيلة كانت، بما في ذلك تكنولوجيات الإعلام والاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي ، مشيرا إلى أن إقرار عقوبة الإعدام في هذه الحالات يشكل استجابة قانونية مناسبة لخطورة الأفعال المرتكبة، ويهدف إلى دحرها والقضاء عليها داخل المجتمع، فضلا عن الاستجابة لتطلع المواطنين إلى مواجهة هذه الجرائم بأقصى العقوبات التي ينص عليها القانون.
تعزيز الحماية الجزائية للأطفال.
وبشأن المحور الثاني، أوضح الوزير أنه يتعلق بتعزيز الحماية الجزائية للأطفال من خلال اقتراح الحكم بالإعدام على كل من يقوم باختطاف طفل بأي وسيلة كانت، و/أو تعذيبه، و/أو الاعتداء عليه جنسيا، و/أو تعريضه لسوء المعاملة أو الإيذاء وذلك بصرف النظر عن العقوبات الأشد المنصوص عليها في التشريع.
وأشار في هذا الصدد إلى أن المقترح يأتي في ظل انتشار هذه الجرائم خلال السنوات الأخيرة وكونها من أبشع الأفعال المرتكبة ضد الأطفال، مؤكدا أن تشديد العقوبة عليها من شأنه تحقيق الردع العام والخاص، وتعزيز حماية الأطفال وتدعيم الإطار القانوني المتعلق بحمايتهم.
وذكر بوجمعة أن الحماية الجزائية للأطفال تندرج ضمن المنظومة التشريعية الوطنية من خلال قانون حماية الطفل، وقانون العقوبات، وكذا القانون المتعلق بالوقاية من جرائم اختطاف الأشخاص ومكافحتها، مشيرا إلى أن النص يتضمن حكما يقضي بعدم استفادة كل شخص تتم إدانته بارتكاب أفعال متعلقة بالحرائق أو الاعتداءات على الأطفال من الظروف المخففة المنصوص عليها في قانون العقوبات.
مراجعة شاملة لقانون القضاء العسكري
وبخصوص النص الثاني، المتعلق بالموافقة على الأمر رقم 26-01 المؤرخ في 27 يوليو سنة 2026 والمتضمن قانون القضاء العسكري، أوضح وزير العدل أن هذا النص يندرج ضمن مواكبة التغييرات التي أقرها دستور سنة 2020، في إطار الإصلاحات العميقة الرامية إلى تعزيز ركائز دولة القانون، والتي بادر بها رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، منذ توليه مهام القاضي الأول في البلاد.
كما أشار إلى أن النص يهدف إلى معالجة النقائص العملية التي أفرزها تطبيق نظام القضاء العسكري ميدانيا، ومواكبة التطورات التي عرفتها المنظومة القانونية الوطنية لاسيما بعد صدور قانون الإجراءات الجزائية الجديد، إلى جانب تقريب قانون القضاء العسكري، قدر الإمكان، من المنظومة القانونية العامة، خاصة في شقها الإجرائي.
وأفاد بوجمعة بأن الأمر يتضمن 360 مادة، ويشكل مراجعة شاملة لقانون القضاء العسكري مع الحفاظ على المكتسبات التي تضمنها هذا القانون، لاسيما تلك التي أقرها تعديل سنة 2018، والمتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة والتقاضي على درجتين والتوسع في استخدام تكنولوجيات الإعلام والاتصال أمام القضاء العسكري.
وأوضح أن النص تضمن أحكام جديدة تهدف إلى تعزيز تنظيم وتشكيل الجهات القضائية العسكرية، وتحديد طرق عملها والإجراءات الجزائية المطبقة أمامها، وتحديد الجرائم والعقوبات العسكرية وإعادة صياغة بعض المواد، وتوحيد المصطلحات القانونية مع تلك المعتمدة في قانون الإجراءات الجزائية، إلى جانب التنصيص صراحة على إلزامية تسبيب الأحكام والقرارات وتعزيز دور المحامي خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة، مشيرا إلى أن هذه الأحكام قسمت إلى ستة محاور رئيسية.
وفيما يتعلق بالمحور الأول، أوضح الوزير أنه يتصل بأسس القضاء العسكري ويهدف إلى إزالة الصورة النمطية التي تعتبر القضاء العسكري قضاء استثنائي، مؤكدا أن القضاء العسكري هو قضاء جزائي متخصص وليس قضاء جزائي استثنائي وفقا لما كرسته أحكام القانون العضوي المتعلق بالتنظيم القضائي.
وأبرز بوجمعة أن هذا القضاء يمارس باسم الشعب من طرف الجهات القضائية العسكرية تحت رقابة المحكمة العليا، ووفقا لمبادئ الشرعية والمحاكمة العادلة واحترام الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان.
أما المحور الثاني، فيتعلق بتنظيم النيابة العسكرية حيث أفاد الوزير أنه تم استحداث تسمية جديدة لمدير القضاء العسكري ليصبح رئيس النيابة العسكرية باعتباره أعلى مستوى في هرم النيابة العامة العسكرية، وذلك بهدف تقنين الإشراف على نشاطات النيابة العسكرية والتدخل في سير الدعوى العمومية تحت سلطة وزير الدفاع الوطني على أن يساعده مفتش من المديرية ذاتها.
وبشأن المحور الثالث المتعلق بتنظيم الجهات القضائية العسكرية وتشكيلها، أشار إلى أن النص ينص على وجود محاكم عسكرية ابتدائية للتقاضي ومجالس استئناف عسكرية على مستوى كل ناحية عسكرية، موضحا أن المحكمة العسكرية تتكون من هيئة الحكم والنيابة العسكرية وغرف التحقيق وكتابة الضبط، فيما يتكون مجلس الاستئناف العسكري من هيئة الحكم والنيابة العامة العسكرية وغرفة الاتهام وكتابة الضبط،
و أفاد بأن النص يرفع رتبة القاضي العادي المنتدب من وزارة العدل لرئاسة مجلس الاستئناف العسكري إلى رتبة رئيس مجلس قضاء على الأقل، إلى جانب التكفل بالصعوبات العملية المتعلقة باستخلاف القضاة العسكريين، كما تم استحداث وظيفتين جديدتين تتمثلان في نائب عام عسكري مساعد أول ونائب أول للوكيل العسكري للجمهورية ، تماشيا مع قانون الإجراءات الجزائية الجديد.
وأبرز بوجمعة أن النص يمنح للنائب العام العسكري سلطة رئاسية هرمية على جميع مستخدمي وزارة الدفاع الوطني التابعين للهياكل المعنية، إلى جانب تحديد صفة القضاة العسكريين الأعضاء في غرفة الاتهام لدى مجلس الاستئناف العسكري، باعتبارهم مستشار أولا ومستشار، مشيرا إلى أن النص ينص أيضا على أداء رؤساء الجهات القضائية العسكرية ورؤساء غرف الاتهام اليمين القانونية عند توليهم مهامهم لأول مرة.
وانتقل الوزير إلى المحور الرابع المتعلق باختصاص الجهات القضائية العسكرية، موضحا أن هذه الجهات تمارس اختصاصاتها في زمن السلم والحرب حيث تختص في زمن السلم بالجرائم المرتبطة بالنظام العسكري والمنصوص عليه في الكتاب الثالث من القانون ، وكذا بالجرائم التي يرتكبها المستخدمون العسكريون والمدنيون التابعون لوزارة الدفاع الوطني سواء بصفتهم فاعلين أصليين أو مساهمين أو شركاء، فضلا عن الفاعلين الأصليين والمساهمين والمشاركين والشركاء في الجرائم المرتكبة داخل المناطق العسكرية.
أما في زمن الحرب، أبرز بوجمعة أن اختصاصات الجهات القضائية العسكرية، وتماشيا مع الأحكام الجديدة المنصوص عليها في الدستور تمتد إلى قضايا الاعتداءات على أمن الدولة، وكذا الجرائم المرتكبة من طرف المستخدمين العسكريين والمدنيين التابعين لوزارة الدفاع الوطني أثناء الخدمة خارج الإقليم الوطني، سواء في الظروف العادية أو عندما يتم إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي خارج حدود الجمهورية.
ولفت في السياق ذاته إلى أن من خصوصيات هذه الجهات أيضا عدم النظر في الدعوى المدنية بل تعرض أمام الجهات القضائية المدنية المختصة للفصل فيها وتحديد التعويض المستحق.
وفيما يخص المحور الخامس الخاص بالإجراءات الجزائية العسكرية، أفاد الوزير أنه تم إقرار إمكانية اطلاع الرأي العام على العناصر الموضوعية المستخرجة من الإجراءات القضائية، بما يتماشى مع أحكام قانون الإجراءات الجزائية و تفادي نشر المعلومات التي من شأنها المساس بالنظام العام.
كما أشار إلى أن الشرطة القضائية العسكرية تعمل بتوجيه من الوكيل العسكري للجمهورية تحت إشراف النائب العام العسكري ورقابة غرفة الاتهام لدى مجلس الاستئناف العسكري، موضحا أن ضباط الشرطة القضائية العسكرية ملزمون بإبلاغ الوكيل العسكري للجمهورية فورا بكل إجراء يتعلق بالتوقيف للنظر.
وفي السياق نفسه، ذكر أن قضاة النيابة العسكرية ملزمون بتفتيش ومراقبة دورية إلى أماكن التوقيف للنظر التابعة لمصالح الضبطية القضائية العسكرية مرة واحدة على الأقل كل ثلاثة أشهر، بما يتماشى مع أحكام قانون الإجراءات الجزائية، كما يتعين على ضباط الشرطة القضائية تقديم التوضيحات المتعلقة بالأعمال والإجراءات التي قاموا بها في أي مرحلة من مراحل الدعوى العمومية.
ومن بين الأحكام الجديدة التي أبرزها الوزير أيضا إمكانية قيام وزير الدفاع الوطني بتحويل الملفات الجارية من جهة قضائية عسكرية إلى جهة قضائية عسكرية أخرى، لدواعي عملية أو لحسن سير العدالة العسكرية، أو في حال تعذر العثور على المساعدين العسكريين ذوي الرتبة المطلوبة لتشكيل جهة قضائية عسكرية، موضحا أن الطعن في قرار التحويل لا يوقف تنفيذه باستثناء الأحكام والقرارات القاضية بعقوبة الإعدام.
كما لفت إلى إمكانية تفويض الوكيل العسكري للجمهورية نظيره، وكيل الجمهورية المدني لزيارة أماكن التوقيف للنظر ومراقبتها بموجب تفويض كتابي، مضيفا أن المسائل التي لم يتناولها قانون القضاء العسكري تتم الإحالة فيها بصفة عامة إلى أحكام قانون الإجراءات الجزائية.
وتناول الوزير المحور السادس المتعلق بالأحكام الجزائية المطبقة أمام الجهات القضائية العسكرية، أشار إلى أن النص يعزز منظومة العقوبات المطبقة من طرف الجهات القضائية العسكرية من خلال إقرار عقوبات ذات طابع عسكري تضمن الردع الفردي والجماعي، وتشمل العزل العسكري وفقدان الرتبة وخفض الرتبة لاسيما بالنسبة للجرائم الرامية إلى التهرب من الالتزامات العسكرية، والخيانة والتآمر العسكري، والتولي غير المشروع للقيادة، وإهانة العلم الوطني أو الجيش الوطني الشعبي.
وفي هذا الجانب، أوضح بوجمعة إلى أن النص يجرم فعل ولوج العسكري إلى منظومة المعالجة الآلية للمعطيات التابعة للجيش الوطني الشعبي بغرض الحصول على وثائق أو معلومات أو القيام بعمل لصالح العدو، كما يجرم تسليم العدو وثائق أو معلومات من شأنها الإضرار بعمليات الجيش الوطني الشعبي أو أمن المواقع والمراكز والمنشآت العسكرية أو منظومات المعالجة الآلية للمعطيات التابعة له.
وبخصوص وضعية المتهم المحبوس أو المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية النافذة، ابرز أن النص ينص على بقائه رهن الحبس إلى غاية الفصل في الاستئناف والطعن بالنقض، ما لم يكن قد استنفد العقوبة وذلك على غرار ما هو معمول به في قانون الإجراءات الجزائية.

