كشفت الهيئة العامة للأرصاد الجوية عن أبرز مخاطر التقلبات الجوية خلال فصل الخريف على المحاصيل الزراعية ، ودور التنبؤات المبكرة في مساعدة المزارعين على مواجهة التغيرات المفاجئة في درجات الحرارة، والاستعداد لسقوط الأمطار ونشاط الرياح بما يسهم في حماية الإنتاج الزراعي والحد من الخسائر، فضلا عن دعم الاستعداد للعروة الشتوية من خلال التخطيط المناسب لمواعيد الزراعة والري والرش والحصاد.
وتبرز أهمية هذه المتابعة في ضوء اتساع الرقعة الزراعية في مصر ، إذ يبلغ إجمالي المساحة المنزرعة نحو 5ر10 مليون فدان خلال العام الزراعي ( 2025 / 2026 ) منها نحو 1ر6 مليون فدان من الأراضي القديمة و4ر4 مليون فدان من الأراضي الجديدة فيما تصل المساحة المحصولية التي تشمل مجموع المساحات المزروعة بالمحاصيل خلال العروات المختلفة إلى نحو 5ر17 مليون فدان.
وفي هذا السياق ..أكد الدكتور محمود القياتي المتنبئ الجوي بمركز التنبؤات والإنذار المبكر بالهيئة العامة للأرصاد الجوية أن شهر أكتوبر يمثل مرحلة انتقالية نحو الأجواء الخريفية المعتدلة مع تراجع تدريجي في درجات الحرارة خاصة خلال ساعات الليل .. مشيرا إلى أن التوقعات الموسمية للهيئة تشير إلى أن معدلات سقوط الأمطار خلال خريف العام الحالي ستكون أعلى قليلا من معدلاتها المعتادة.
وأوضح القياتي – في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط – أن الفترة الحالية قد تشهد ارتفاعات مؤقتة في درجات الحرارة بمعدل درجة أو درجتين فوق معدلاتها الطبيعية إلى جانب نشاط الرياح ليلا على مناطق من الدلتا والسواحل الشمالية وبعض محافظات الصعيد ذات الظهير الصحراوي ، فضلا عن فرص سقوط الأمطار مع مرور المنخفضات الجوية في طبقات الجو العليا .. مشيرا إلى أن المناطق الشمالية خاصة الساحل الشمالي والدلتا، تعد الأكثر تأثرا بالأمطار خلال هذه الفترة بينما تتأثر المناطق المكشوفة والأراضي المستصلحة حديثا بصورة أكبر بنشاط الرياح.
وقال : إن محافظات الصعيد تشهد تباينا حراريا واضحا بين النهار والليل بسبب طبيعتها القارية والصحراوية ، إذ قد تسجل درجات حرارة مرتفعة نهارا وتنخفض ليلا مقارنة بالقاهرة والمناطق الشمالية ؛ مما يستلزم مراعاة الظروف الجوية المحلية عند اتخاذ القرارات الزراعية.
وحول تأثير الفروق بين درجات الحرارة نهارا وليلا على نمو المحاصيل ونضجها .. أكد القياتي أن هذه الفروق من السمات الأساسية للفصول الانتقالية وفي مقدمتها الخريف والربيع .. موضحا أن احتياجات المحاصيل الحرارية تختلف باختلاف طبيعتها، وأن التأثير السلبي قد يظهر بصورة أكبر عند تعرض النباتات لتغيرات متتابعة وسريعة في درجات الحرارة.
وأضاف أن الانخفاض التدريجي في درجات الحرارة قد يكون ملائما لبعض المحاصيل إلا أن اقترانه بارتفاع مستويات الرطوبة قد يهيئ ظروفا تساعد على ظهور بعض الأمراض النباتية .. مؤكدا أن التغيرات المفاجئة تمثل تحديا أكبر للنباتات مقارنة بالتغير التدريجي ، نظرا إلى حاجتها إلى فترة للتكيف مع الظروف المحيطة بها.
وأوضح أن الارتفاع المفاجئ في درجات الحرارة يزيد معدلات فقد المياه من النباتات والتربة، وقد يؤثر سلبا على جودة المحاصيل بينما يمكن أن يؤدي الانخفاض المفاجئ إلى تراجع معدلات النمو، وفقا لطبيعة كل محصول واحتياجاته الحرارية.
ولفت إلى أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة لفترة غير معتادة قد يعرض النباتات للإجهاد الحراري، كما أن سقوط الأمطار في توقيت غير مناسب خاصة إذا تزامن مع عمليات الري قد يؤدي إلى زيادة المياه في التربة، في حين يمكن أن تتسبب الرياح القوية في إمالة النباتات الطويلة أو المحملة بالثمار وسقوطها، بما يهدر جزءا من المحصول.
وشدد القياتي على أهمية متابعة الرياح تتزايد قبل الحصاد ، عندما تكون النباتات قد ارتفعت عن سطح الأرض وبدأت في حمل الثمار .. مشيرا إلى أن المزارعين يتواصلون مع الهيئة العامة للأرصاد الجوية للاستفسار عن توقيت نشاط الرياح وسرعاتها، لما لذلك من تأثير مباشر على بعض المحاصيل.
وفي ضوء هذه التأثيرات المباشرة للتقلبات الجوية على المحاصيل الزراعية ، تبرز أهمية توظيف التنبؤات المبكرة في تنظيم العمليات الزراعية اليومية بما يساعد المزارعين على الحد من الأضرار المحتملة والاستفادة المثلى من الموارد المتاحة.
ومن هذا المنطلق .. أكدت الدكتورة منار غانم المتنبئ الجوي بمركز التنبؤات والإنذار المبكر بالهيئة العامة للأرصاد الجوية – لوكالة أنباء الشرق الأوسط – أن متابعة توقعات درجات الحرارة والأمطار والرياح تمثل عاملا أساسيا في تحديد مواعيد الري وكميات المياه المطلوبة وتجنب الإفراط في الري قبل سقوط الأمطار.
وقالت غانم : إن معرفة احتمالات الأمطار تتيح للمزارع إعادة تنظيم مواعيد الري أو تأجيله عندما تسمح الظروف بذلك ، بما يسهم في ترشيد استهلاك المياه وخفض التكاليف والحد من تشبع التربة بالمياه وما قد يترتب عليه من أضرار بالجذور كما تساعد توقعات درجات الحرارة في تحديد الاحتياجات المائية للنباتات واختيار التوقيت الأنسب للري وتقليل فقد المياه ، خاصة خلال فترات ارتفاع الحرارة.
وشددت على ضرورة متابعة توقعات الرياح قبل تنفيذ عمليات الري والرش والتسميد والحصاد .. موضحة أن الرياح القوية قد تتسبب في رقاد بعض المحاصيل (أي ميل سيقانها أو سقوطها) ، بما يؤدي إلى خسائر في الإنتاج.
ولفتت إلى أن الهيئة تتلقى استفسارات متكررة من المزارعين بشأن سرعات الرياح ، خاصة فيما يتعلق بري محصول القمح إلى جانب استفسارات أصحاب الصوب الزراعية حول الإجراءات اللازمة لحماية منشآتهم ومحاصيلهم عند توقع نشاط الرياح.
واستشهدت غانم بما شهدته بعض السنوات السابقة من أضرار لحقت بمحاصيل المانجو في محافظة الإسماعيلية ؛ نتيجة العواصف القوية ونشاط الرياح .. مؤكدة أن التنبؤ المسبق بهذه الظواهر يمنح المزارعين فرصة لاتخاذ الاحتياطات الممكنة وتقليل الخسائر المحتملة.
وفيما يتعلق بالاستعداد للعروة الشتوية .. أوضحت غانم أن التنبؤات الجوية تساعد المزارعين على اختيار التوقيت المناسب لبدء الزراعة من خلال متابعة درجات الحرارة ومواعيد سقوط الأمطار وشدة الرياح واحتمالات انخفاض الحرارة إلى مستويات قد تؤثر على إنبات البذور ونمو الشتلات.
وأضافت أن معرفة توقيت موجات البرودة والصقيع تساعد على تقييم مدى ملاءمة الظروف الجوية للمحاصيل الحساسة، وإمكانية تأجيل الزراعة أو بعض العمليات الزراعية حتى تحسن الأحوال الجوية كما تتيح الاستعداد للتعامل مع الأمطار الغزيرة التي قد تؤثر على التربة، والرياح التي قد تعوق نقل الشتلات أو تؤثر على تغطية المحاصيل.. مؤكدة أن اختيار التوقيت المناسب للزراعة يعزز فرص الإنبات والتأسيس الجيد للمحاصيل ويحد من المخاطر التي قد تواجه العروة الشتوية إذا بدأت في ظروف غير ملائمة.
وأشارت إلى أن التوقعات قصيرة المدى، التي تمتد لنحو أسبوع ، تمنح المزارع رؤية استباقية تساعده على وضع جدول للري والرش والاستعداد لموجات البرودة والصقيع بدلا من الاعتماد على معلومات الطقس الخاصة بيوم واحد فقط فيما توفر التوقعات الموسمية تصورا عاما عن طبيعة الفصل المقبل، بما يدعم التخطيط للزراعة واختيار المحاصيل الملائمة للظروف المناخية المتوقعة.
وحددت غانم ثلاثة مؤشرات جوية رئيسية ينبغي للمزارعين متابعتها قبل اتخاذ القرارات اليومية أولها : درجات الحرارة لما لها من تأثير على معدلات النمو والإنبات والاحتياجات المائية، فضلا عن مخاطر البرودة والصقيع، خاصة بالنسبة للمحاصيل الحساسة.
أما المؤشر الثاني – وفقا لغانم – فهو يتمثل في توقعات الأمطار وكمياتها، لما توفره من معلومات تساعد على تحديد الاحتياجات الفعلية للري وتجنب زيادة المياه في الأراضي الزراعية بينما يتعلق المؤشر الثالث بنشاط الرياح وسرعاتها لما له من أهمية في تحديد توقيت الرش والري وتنفيذ العمليات الزراعية التي قد تتأثر بحركة الهواء.
وشددت على أن القرار الزراعي السليم يتطلب قراءة عناصر الطقس مجتمعة، بما يشمل الرطوبة النسبية واحتمالات الصقيع ومعدلات البخر، وليس التعامل مع درجات الحرارة أو الأمطار أو الرياح كل على حدة، إذ يتيح الربط بينها تقدير الظروف المؤثرة على احتياجات النباتات وإدارة العمليات الزراعية بدقة أكبر.
وفيما يتعلق بآليات وصول المعلومات الجوية إلى المزارعين .. أكد الدكتور محمود القياتي أن متابعة النشرات والتحذيرات اليومية أصبحت جزءا أساسيا من التخطيط للعمليات الزراعية، خاصة خلال الفصول الانتقالية التي تتسم بسرعة تغير الأحوال الجوية.
وأشار القياتي إلى وجود تعاون بين الهيئة العامة للأرصاد الجوية ووزارة الزراعة لتوفير معلومات وتوقعات جوية تساعد المزارعين على التعامل مع الظواهر المختلفة من خلال تطبيق إلكتروني يقدم بيانات عن عناصر الطقس، تشمل درجات الحرارة والأمطار ونشاط الرياح.
ومن جهتها .. أوضحت غانم أن التطبيق الإلكتروني يوفر إلى جانب التوقعات الجوية ، نصائح وإرشادات مرتبطة بالظواهر المتوقعة بما يساعد المزارعين على تحديد الإجراءات المناسبة للتعامل مع موجات الصقيع والرياح والأمطار .. لافتة إلى ملاحظة استخدامه في بعض مناطق الصعيد.
وقالت : إن الرسائل التوجيهية تربط المعلومات الجوية بالإجراء الزراعي المناسب سواء تعلق الأمر بتحديد موعد الري أو حماية المحاصيل من الرياح أو الاستعداد لموجات البرودة.. مؤكدة أهمية تعزيز الاستفادة من هذه الأدوات في إدارة المخاطر الزراعية.
وأكدت غانم أن المعلومات الجوية المبكرة والدقيقة تتيح للمزارعين ترشيد استهلاك المياه والطاقة، وتحسين كفاءة الإنتاج، وتقليل الخسائر الناجمة عن الظواهر الجوية .. مشددة على أهمية التواصل مع الهيئة العامة للأرصاد الجوية للاستفسار عن الظروف المتوقعة وتأثيراتها المحتملة على العمليات الزراعية.
وتكتسب هذه الجهود أهمية في ضوء حجم النشاط الزراعي في مصر .. إذ أعلنت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي عن زراعة أكثر من 7ر3 مليون فدان بالقمح خلال موسم ( 2025 /2026 ) فيما بلغت مساحة الأراضي التي تستخدم ممارسات مرشدة للمياه نحو 2.407 مليون فدان ، واستفادت مساحة تقدر بنحو 360 ألف فدان من التوسع في الميكنة الزراعية الحديثة خلال العام نفسه.
كما أُنجزت دراسات حصر وتصنيف للتربة على مساحة بلغت نحو 8ر8 مليون فدان، وفق البيانات المعلنة في سبتمبر 2026 ، بما يعكس أهمية تطوير إدارة الموارد الزراعية وتعزيز كفاءة استخدامها.
وفي ظل هذه المساحات ، يمثل دمج التنبؤات الجوية في قرارات الزراعة والري والرش والحصاد إحدى الأدوات الداعمة لاستقرار الإنتاج، خاصة خلال الخريف الذي تتداخل فيه التقلبات الحرارية مع فرص سقوط الأمطار ونشاط الرياح بما يجعل الاستعداد المبكر ومتابعة تطورات الطقس عنصرين أساسيين لحماية المحاصيل وترشيد الموارد وتحسين كفاءة الإنتاج مع بداية العروة الشتوية.


