أعلن مكتب الرئيسة البلغارية إيليانا يوتوفا، الثلاثاء، أن سفينتين أصيبتا بطائرات مسيّرة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا في البحر الأسود، دون تقديم تفاصيل إضافية. وأكد مجلس الوزراء البلغاري لاحقًا أن الهجومين طالا سفينتين تجاريتين قبالة السواحل البلغارية. وبحسب وسائل إعلام بلغارية نقلت عن مصادر رسمية، غرقت إحدى السفينتين، وهي «ألفا وطن»، بعد أضرار هيكلية بالغة، بينما أُنقذ طاقم السفينة الأخرى المؤلف من 18 فردًا. وجرت الحادثة، بحسب تلك التقارير، على بعد نحو 80 ميلًا من الساحل البلغاري.
وفي أول رد رسمي، دعا رئيس الوزراء رومن راديف إلى اجتماع ضم ممثلين عن أربع وزارات والرئاسة والأجهزة الأمنية، فيما ألغت الرئيسة يوتوفا زيارة كانت مقررة إلى مدينة فيليكو ترنوفو بسبب الهجمات. ولم تُحدَّد حتى ساعة إعداد هذا التقرير هوية الجهة المسؤولة عن إطلاق المسيّرات، إذ تقول السلطات إن ظروف الحادثة وملكية الطائرات لا تزالان قيد التحقيق، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.
ما نعرفه حتى الآن عن الهجوم
تفيد المعطيات الأولية بأن السفينتين تجاريتان وغير بلغاريتين، إذ أفادت الإذاعة الوطنية البلغارية بأن إحداهما ترفع علم توغو والأخرى علم بالاو. وتصف وسائل إعلام بلغارية الحادثة بأنها أول هجوم بمسيّرات يُسجَّل على سفن داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا. وهذا يجعلها تحولًا لافتًا في مسار حرب الملاحة التي ظلت حتى وقت قريب تتركز قرب السواحل الأوكرانية والممر البحري المؤدي إلى موانئ أوديسا.
وعلى صعيد عمليات الإنقاذ، تشارك قطع من خفر السواحل الروماني ومروحية تابعة للمفتشية العامة للطيران الروماني إلى جانب الجهات البلغارية. وقالت وزارة الداخلية الرومانية إن المصابين نُقلوا لتلقي العلاج الطارئ. وتتضارب المعلومات بشأن الحصيلة البشرية، فقد تحدثت بعض المواقع عن مقتل شخصين، لكن هذه الأرقام غير مؤكدة، وقد تكون خلطًا مع حادثة وقعت قبل يوم واحد في المياه الرومانية. ولا يوجد حتى الآن إعلان رسمي مفصّل عن عدد الضحايا أو المفقودين في الحادثتين الأخيرتين.
ولا تتوافر كذلك بيانات رسمية عن طبيعة حمولة السفينتين أو وجهتيهما أو مالكيهما أو نوع المسيّرات المستخدمة. وفي حوادث مماثلة سابقة استغرق الكشف عن هذه التفاصيل أيامًا، وتولته في الغالب وزارات خارجية الدول التي ينتمي إليها أفراد الطاقم أو الشركات المالكة. ويتوقع أن تحدد نتائج التحقيق البلغاري، وما قد تقدمه أجهزة حلف شمال الأطلسي من بيانات رصد، طبيعة ما جرى.
استنفار سياسي في صوفيا
يعكس سرعة تحرك القيادة البلغارية حساسية الحدث، فهو يقع داخل منطقة اقتصادية خالصة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي. وتتمتع الدولة الساحلية في هذه المنطقة بحقوق سيادية في الموارد وبمسؤوليات تتعلق بسلامة الملاحة. ولهذا فإن استهداف سفن تجارية فيها يطرح أسئلة قانونية وأمنية تتجاوز الخسائر المادية المباشرة.
وكانت الرئيسة يوتوفا قد حذّرت سابقًا من مخاطر في البحر الأسود، وتسعى، بحسب تقارير بلغارية، إلى إنشاء مركز للأمن البحري وتعزيز التعاون الدفاعي مع شركاء الأطلسي والاتحاد الأوروبي. ومن المرجح أن يعزز الهجوم الأخير حجج المطالبين بتوسيع قدرات المراقبة البحرية والدفاع المضاد للمسيّرات، وهو ملف تتحرك فيه بروكسل أيضًا، إذ أُعلن أمس تخصيص 130 مليون يورو إضافية لتعزيز قدرات الدول الأوروبية في مجال المسيّرات والتصدي لها.
وسيكون على الحكومة البلغارية أن توازن بين اعتبارين: حماية سلامة الملاحة والمصالح الاقتصادية من جهة، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة من جهة أخرى. ولم تصدر حتى الآن مواقف رسمية من الحلف أو الاتحاد الأوروبي، ومن المتوقع أن تجري صوفيا اتصالات مع حلفائها وجيرانها المشاطئين، وفي مقدمتهم رومانيا وتركيا، لتنسيق الرد والتحقيق.
حلقة جديدة في سلسلة هجمات تتسع رقعتها
تأتي هذه الهجمات بعد يوم واحد من حادثة مشابهة في المنطقة الاقتصادية الرومانية، إذ لقي شخصان حتفهما وأُنقذ 11 آخرون بعد اشتعال النار في سفينة تركية كانت تنقل حبوبًا من أوكرانيا إلى إيطاليا وغرقها إثر هجوم بطائرة مسيّرة. وتشير الحادثتان المتتاليتان إلى اتساع رقعة المخاطر باتجاه المياه الغربية للبحر الأسود، قرب الدول الأعضاء في الحلف.
وخلال الأشهر الماضية تصاعدت الهجمات على السفن المدنية في المنطقة بصورة لافتة. فبحسب حصيلة نشرتها مواقع أوكرانية، ضربت القوات الروسية 28 سفينة تجارية مدنية قرب أوديسا بين 20 يونيو و20 يوليو، ما أسفر عن مقتل 21 شخصًا وإصابة 34، وارتفاع أسعار الشحن والتأمين. وفي 9 سبتمبر أعلنت أذربيجان مقتل اثنين من مواطنيها إثر هجوم بمسيّرات على السفينة «تيدي»، وقالت وزارة الدفاع الروسية في اليوم نفسه إن مسيّراتها ضربت سفينة قرب ساحل أوديسا. ويشير تقرير آخر إلى أن كييف بدورها تستهدف سفنًا تقول إنها تدعم الاقتصاد الحربي لموسكو. وكانت أوكرانيا قد اقترحت وقفًا متبادلًا للهجمات في البحر الأسود دون أن ترد روسيا.
وليست بلغاريا بعيدة عن تداعيات هذه الحرب، فقد أعلنت وزارة دفاعها في سنوات وأشهر سابقة العثور على مسيّرات جرفتها المياه إلى شواطئها وتدميرها، ومنها مسيّرة بحرية محمّلة بقذائف مدفعية دُمّرت في أبريل الماضي على شاطئ سينيموريتس. وكانت المنظمة البحرية الدولية قد أعربت عن أسفها لسلسلة الهجمات على السفن المدنية في البحر الأسود وبحر آزوف، ودعت أطراف النزاعات إلى الامتناع عن أعمال تعرّض السفن والبحارة والبيئة البحرية للخطر. ويرى مراقبون أن وصول الهجمات إلى المناطق الاقتصادية لدول الحلف قد يرفع كلفة التأمين والشحن، ويدفع الحلف إلى مراجعة ترتيباته الأمنية في المنطقة.

