في الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، تستعيد مصر واحدة من أكثر لحظات تاريخها الحديث أهمية، فجوهر أكتوبر كان، ولا يزال، درسًا في كيفية إدارة الدولة للصراع وتوظيفها المتوازن للقوة العسكرية والسياسية، ثم تحويل الإنجاز الميداني إلى مكتسب استراتيجي يحمي أمنها القومي.

وفي السادس من أكتوبر 1973، كان التهديد واضحًا ومباشرًا، متمثلًا في أرض محتلة، وجبهة عسكرية محددة، وهدف وطني لا يقبل التأجيل هو استعادة سيناء. وكان العبور حينها في معناه الأعمق عبورًا من اليأس إلى القدرة، ومن اختلال ميزان القوة إلى فرض إرادة الدولة المصرية.

أما اليوم، وبعد 53 عامًا، فظل جوهر التحدي كما هو بحماية الدولة المصرية، وصون الأرض، وتأمين قرارها الوطني ومصالح شعبها. لكن شكل التهديد تغير وتوسع مفهوم الأمن القومي المصري، إذ تتحرك القاهرة داخل بيئة إقليمية مشحونة تتقاطع فيها الحروب الأهلية، والصراعات الحدودية، والضغوط الاقتصادية، وأزمات المياه والغذاء، وتهديدات الملاحة الدولية، والحروب الرقمية والمعلوماتية.

في الشرق، تفرض الحرب في غزة تحديًا كبيرًا على القاهرة، حيث ترتبط مباشرة بأمن سيناء، وبمستقبل القضية الفلسطينية، وبرفض أي تصور يقوم على تهجير الفلسطينيين أو تصفية قضيتهم، علاوة على مسئوليتها التاريخية تجاه القضية الفلسطينية وحرصها على ضمان حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في أرضه.

أما في الجنوب، فتمثل الحرب في السودان تحديًا مباشرًا للأمن الحدودي والإنساني والاقتصادي، فضلًا عن صلتها الوثيقة بملف نهر النيل والأمن المائي. وفي الغرب، يظل استقرار ليبيا ضروريًا لمنع تدفقات السلاح والتهريب والهجرة غير النظامية والجماعات المسلحة. وكذلك البحر الأحمر، حيث يؤدي اضطراب الملاحة وتهديد السفن إلى ضغط اقتصادي مباشر على قناة السويس، وعلى حركة التجارة والطاقة العالمية.

من هنا تكتسب القمة الرباعية التي عقدت في العلمين بين مصر والسودان وإريتريا والصومال أهميتها، حيث تعبر عن إدراك مصري متقدم لترابط دوائر الأمن من النيل إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فالدول الأربع تمثل، جغرافيًا وسياسيًا، نقاطًا مؤثرة على امتداد البحر الأحمر. وقد أكد إعلان العلمين مبادئ سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها، ودعم وحدة السودان ورفض الكيانات الموازية، ودعم وحدة الصومال، وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر، مع التشديد على الدور المحوري للدول المشاطئة في أمنه وحوكمته. كما تضمن الإعلان تأكيدًا على قواعد القانون الدولي المنظمة للأنهار العابرة للحدود، ومبادئ عدم الإضرار والإخطار المسبق والتشاور.

في هذا الإطار، يصبح دعم وحدة السودان ورفض تقسيمه جزءًا من حماية الأمن المصري، كما يصبح دعم وحدة الصومال ومنع المساس بسيادته جزءًا من حماية توازنات البحر الأحمر. كذلك، فإن التمسك بمبادئ التعاون وعدم الإضرار في إدارة الأنهار العابرة للحدود يعكس إدراكًا بأن الأمن المائي أصبح أحد أعمدة الأمن القومي.

ويمثل نهر النيل نموذجًا واضحًا لطبيعة التهديدات الحديثة؛ فمصر تواجه تحديات ترتبط بندرة الموارد، وزيادة السكان، وتأثيرات تغير المناخ، والحاجة إلى ضمان إدارة عادلة ومستقرة للمياه المشتركة. وتشير تقييمات دولية إلى أن تغير المناخ مرشح لزيادة الضغوط على الموارد المائية المصرية، بفعل ارتفاع الحرارة واتساع مخاطر التصحر وتغير أنماط الأمطار في حوض النيل، وزيادة عدم اليقين بشأن المياه والإنتاج الزراعي.

لذلك، تتعامل مصر مع الأمن المائي باعتباره قضية أمن قومي وتنمية مستدامة تتطلب تحركًا متوازيًا في الداخل والخارج. فعلى المستوى الاستراتيجي، تتبنى الدولة الاستراتيجية القومية للموارد المائية حتى 2050، التي تقوم على رفع كفاءة استخدام كل متر مكعب من المياه، وتنمية الموارد غير التقليدية، وتحسين نوعية المياه وحماية المجاري المائية من التلوث، وتعزيز الحوكمة والقدرات المؤسسية.

في سياق مغاير، يعد التحول الرقمي جبهة تحدي جديدة للأمن القومي المصري، تختلف في طبيعتها عن الجبهات العسكرية التقليدية؛ إذ أصبح من الممكن التأثير في إدراك المواطنين للأحداث، وإثارة الارتباك حول المعلومات الرسمية، وتضخيم الأزمات، وإعادة إنتاج الشائعات عبر شبكات التواصل الاجتماعي على نحو سريع.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظل استمرار محاولات الجماعات المتطرفة والدوائر المناوئة للدولة توظيف الفضاء الرقمي في إعادة نشر خطابها، واستغلال الأحداث الإقليمية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية لإنتاج روايات مضللة أو اجتزاء المعلومات وإخراجها من سياقها. وتكشف المؤشرات الرسمية عن تصاعد هذا النمط من المخاطر؛ فقد أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء أن التوترات الإقليمية أدت إلى ارتفاع معدلات الشائعات بنسبة 113% خلال النصف الأول من عام 2026، مع تركز الاستهداف بصورة خاصة في قطاعات الاقتصاد والطاقة والتموين.

وفي هذا السياق، يصبح تعزيز الأمن السيبراني جزءًا من منظومة أوسع لحماية الدولة والمجتمع؛ وهو ما يفسر إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني 2023–2027 التي تستهدف بناء فضاء مصري أكثر أمنًا وقدرة على الصمود أمام التهديدات والهجمات السيبرانية، مع الجمع بين حماية البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الدفاعات السيبرانية، وبناء ثقافة مجتمعية للأمن الرقمي، وتطوير الأطر التشريعية والتعاون الدولي.

وهنا يتجلى الفارق الجوهري بين الأمس واليوم، ففي عام 1973 كانت مصر تواجه جبهة عسكرية وهدفًا استراتيجيًا محددًا في كسر واقع الاحتلال. أما اليوم، فتتحرك الدولة داخل بيئة استراتيجية تتداخل فيها الأزمات العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية والمائية والبحرية والرقمية.

وفي هذا التحول تبرز قيمة الرؤية الاستراتيجية للقيادة المصرية في التعامل مع التهديدات السابقة واستيعاب تعدد دوائر التحديات الحالية، ما يتطلب مزيجًا من الجاهزية العسكرية، والدبلوماسية، وبناء الشراكات، والتحرك الوقائي، وحماية المصالح الاقتصادية والمائية والبحرية.

وأخيرًا، لا تتحرك مصر بحثًا عن حروب جديدة، وإنما تعمل على ألا يتم فرض أزمات أو تهديدات من خارج إرادتها. ولذلك تجمع بين الحفاظ على أدوات الردع، والتحرك الدبلوماسي، وتوسيع دوائر التعاون، ومتابعة التطورات في محيطها الاستراتيجي، بما يحول دون انتقال أزمات الإقليم إلى تهديد مباشر للأمن والمصالح المصرية.

وبعد 53 عامًا من نصر أكتوبر، تحرص القاهرة باستمرار على قراءة المتغيرات واستباق المخاطر وتوظيف أدوات قوتها بما يلائم كل مرحلة. فكما عبرت مصر في أكتوبر قناة السويس لاستعادة الأرض، تخوض اليوم عبورًا من نوع آخر، عنوانه حماية الدولة ومصالحها، ورغم تغير التحديات وأدوات مواجهتها، تبقى قدرة مصر على التكيف والمبادرة وحماية أمنها الوطني ثابتة على الدوام.

* باحثة في الشؤون السياسية والإعلامية.