تبدأ نهاية الأمم قبل أن يسقط أول جدار وقبل أن ينكسر أول جيش. تبدأ حين يتعلم الناس أن الصمت أسلم من السؤال، وأن الإجماع المعلن أنفع لهم من الحقيقة المتنازع عليها. عندها يستقيم الخطاب العام ويختفي الضجيج ويُظن أن الاستقرار قد تحقق، بينما يكون المجتمع قد فقد أثمن ما يملك، أي قدرته على أن يرى أخطاءه قبل أن تصير كوارث. وهذه المفارقة هي موضوع هذا المقال. فالتعددية، في الفكر والسياسة، ليست ترفًا أخلاقيًا تتحمله الأمم في أزمنة الرخاء ولا تنازلًا يقدمه الأقوياء للضعفاء، بل شرط حيوي للبقاء مثل التنوع في الأنظمة الحية. والصوت الواحد، سواء صدر عن منبر ديني أو حزب حاكم أو أيديولوجيا قومية، يحوّل المجتمع إلى كائن بلا مناعة، يبدو متماسكًا حتى يلقى أول اختبار حقيقي.
في الزراعة درس بليغ في هذا الباب، فالحقل الذي يقوم على صنف واحد من المحصول يعطي أعلى غلة حتى يصيبه مرض واحد فيفنى كله. وقد عانت أيرلندا في أربعينيات القرن التاسع عشر مجاعة مروعة لأن اعتماد الفقراء على نوع واحد من البطاطس جعل آفة واحدة تكفي لإهلاكهم. والمعرفة لا تختلف عن ذلك، فهي لا تتقدم إلا بتصحيح الخطأ، والخطأ لا يُكتشف إلا حين يوجد من يخالفنا. وقد رأى جون ستيوارت مل، في كتابه عن الحرية، أن إسكات رأي واحد يخسّرنا حتى لو كان خاطئًا، لأن الحقيقة التي لا تواجه نقدًا تتحول إلى عقيدة جامدة لا يعرف أصحابها لماذا يؤمنون بها. وجاء كارل بوبر ليجعل من ذلك أساسًا لفكرة المجتمع المفتوح، إذ إن المجتمعات التي تقبل النقد تقدر على تغيير سياساتها دون أن تُسفك الدماء. وبهذا المعنى يكون المعارض جهاز الإنذار المبكر في جسد الأمة، وإطفاؤه لا يلغي الخطر بل يلغي القدرة على الإحساس به.
ولا يخلو التاريخ من الشواهد. ففي الصين ازدهرت «المئة مدرسة فكرية» في عصر الممالك المتحاربة حين تنافست الكونفوشيوسية والموهية والطاوية والقانونية، ثم أحرق الأمير الأول لسلالة تشين الكتب ودفن العلماء بعد توحيد البلاد، فأخذ الصوت الواحد يخنق ما بناه التنوع. وفي بغداد العباسية اتسع بيت الحكمة لمترجمين من ديانات ولغات شتى ولمدارس كلامية وفقهية متباينة، وقامت الحضارة على حوارهم. وحين أراد المأمون وخلفاؤه فرض رأي واحد في خلق القرآن في المحنة التي امتدت من عام 833 إلى 848، لم تنتصر الحقيقة بل انتصرت السلطة، وجُلد من خالفها، ثم انقلبت الكفة مع المتوكل فأوقعت الأذى بخصومها. وبعد ذلك بقرون أُحرقت كتب ابن رشد في قرطبة عام 1195، وكُسرت بذلك حلقة العقلانية في الغرب الإسلامي. وفي إسبانيا انتهى عصر التعايش بالطرد عام 1492 ثم طرد الموريسكيين، فخسرت البلاد حرفيين وأطباء وتجارًا. وفي القرن العشرين جعلت الدولة السوفييتية نظرية ليسينكو الزراعية عقيدة رسمية وقمعت علماء الوراثة، فدفع الاقتصاد والعلم الثمن. ولا أزعم أن العصور الذهبية كانت جنات للمساواة، فقد قامت تعدديتها على تراتب وقيود، لكن الذي يهمنا هنا هو النمط المتكرر: ازدهار حين يتسع المجال لتزاحم الأفكار، وانحدار حين يُقفل باسم الوحدة.
أما الآليات النفسية التي تصنع الصوت الواحد، فأقوى ما فيها أنها لا تحتاج إلى سوط دائم. فتجارب سولومون آش في خمسينيات القرن الماضي أظهرت أن أغلب الأفراد يجارون الجماعة في حكم خاطئ واضح لمجرد ألا يبقوا وحدهم. ووصفت إليزابيث نويل نويمان «حلزون الصمت» الذي يجعل أصحاب الرأي المخالف يخفونه حين يظنون أنهم أقلية، فيبدو الرأي السائد أقوى مما هو، فيزداد الصمت. وبيّن إيرفينغ جانيس كيف تتخذ لجان ذكية قرارات كارثية حين يغلب فيها الانسجام على التحقق، كما في قرار غزو خليج الخنازير. وتتغذى هذه الآليات على ادعاء احتكار الحقيقة، فمن يظن أنه يملك اليقين الكامل لا يرى في المخالف محاورًا بل خطرًا، ويعطي لنفسه الحق في إسكاته أخلاقيًا. وهكذا يتحول الخلاف في الرأي إلى خيانة، وتغدو الجماعة ملاذًا نفسيًا يعوّض أفرادها عن قلق الحرية بطمأنينة الانتماء.
وتأتي الآليات التنظيمية فتحوّل هذا الميل النفسي إلى بنية. فالتنظيم المغلق، ديني كان أو حزبيًا أو قوميًا، يقوم عادة على بيعة أو ولاء أو انضباط يعلو على الاجتهاد، ويكافئ الطاعة أكثر مما يكافئ الكفاءة، ويطرد المخالف أو يشوّهه. ومع الوقت يعمل ما يشبه الانتقاء العكسي، فيصعد المتشددون والمتملقون ويخرج الناقدون والمبدعون. وتصل المعلومات إلى القمة مصفاة فلا يعرف القادة حقيقة ما يجري، ثم يقودون جماعاتهم إلى مآزق لا يرونها. ولا تقتصر هذه الآليات على جماعات الإسلام السياسي وإن كانت أوضح ما يظهر فيها مفهوم السمع والطاعة، فالأحزاب الأيديولوجية العلمانية التي ألّهت الزعيم أو الخط أو الطبقة عرفت المصير نفسه. فالأصولية بنية ذهنية قبل أن تكون مضمونًا دينيًا، وقد توجد في خطاب يرفع شعار التنوير نفسه إذا أراد أن يسكت خصومه بدل أن يحاورهم.
وحين تنتقل هذه البنية إلى الدولة الوطنية تظهر نتائجها الكبرى. فالدولة التي توحد الإعلام والتعليم والمنابر على رواية واحدة تفقد قنوات التغذية الراجعة التي تجعلها تعرف نفسها. وقد جاء كثير من الهزائم الكبرى في تاريخنا المعاصر في مناخ كان فيه الخطاب العام يردد صوتًا واحدًا عن القوة والنصر، فلم يجد من يحذر قبل وقوع الكارثة. والمفارقة أن الصوت الواحد، وهو يعد بالوحدة، ينتهي إلى التمزق. فحين تُغلق السياسة بوصفها ميدانًا للتنافس السلمي، تجد الجماعات التي لم يتسع لها المجال تعبيرًا آخر عن نفسها في الطائفة والقبيلة والجهة والسلاح. وقد رأينا في أكثر من بلد عربي كيف تحول الإجماع المفروض إلى انفجار حين ضعفت قبضة السلطة، لأن الوحدة التي لم تقم على اختيار وحوار كانت قشرة فوق شقوق عميقة.
وليس مديح التعددية دعوة إلى نسبية مطلقة تساوي بين كل الأقوال ولا إلى فوضى بلا قواعد. فالتعددية نظام له شروطه: مواطنة متساوية تجعل الحقوق ملكًا للإنسان لا لعقيدته، وقضاء مستقل، وصحافة حرة، وتعليم يدرّب على السؤال لا على الترديد، وفصل بين سلطة الإيمان وسلطة الإكراه. ومن اللافت أن تراثنا نفسه كان أوسع مما يحب دعاة الصوت الواحد أن يعترفوا. فقد اختلف فيه المعتزلة والأشاعرة والفقهاء والفلاسفة والصوفية، وتعايشت فيه مدارس فقهية متنافسة، وما يُقدَّم اليوم على أنه القراءة الوحيدة للتراث هو في الحقيقة اختيار سياسي حديث من بين احتمالات كثيرة.
وخلاصة الأطروحة أن الأمم لا تموت لأنها اختلفت، بل لأنها فقدت القدرة على أن تختلف بأمان. فالاختلاف المنظم بقواعد مشتركة هو الآلة التي تحوّل الصراع إلى تعلم، والخلاف إلى قرار أفضل. وأما الصوت الواحد فيبدو في أول الأمر قوة ثم يتكشف عن ضعف، لأنه يستهلك رصيد الأمة من النقد والتجديد حتى لا يبقى لها ما تواجه به الأزمة التالية. ولهذا فإن الطريق إلى مستقبل آمن يمر بالعقلانية بوصفها عادة عامة في السؤال والتحقق، وبوعي يرفض تحويل الجماعة إلى صنم، وببناء دولة مواطنة يتساوى فيها الجميع أمام القانون ويكون الخلاف فيها شرعيًا ما دام سلميًا. فالأمة التي تحمي حق مخالفيها في الكلام إنما تحمي حقها هي في أن تبقى.

