على الرغم من نجاح الذهب في استعادة زخمه الصاعد واقترابه من مستوى 4100 دولار للأوقية، إلا أنني لا أرى أن هذا الارتفاع يمثل تحولًا حقيقيًا في الاتجاه، بل هو استجابة مؤقتة لمجموعة من العوامل الداعمة، في مقدمتها تراجع حدة التوترات الجيوسياسية. لا يزال السوق يفتقر إلى المحفز الأساسي القادر على ترسيخ موجة صعود مستدامة، بينما تبقى المخاطر المحيطة بالسياسة النقدية الأمريكية العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد المسار المقبل للمعدن الأصفر.
في تقديري، يبالغ المستثمرون حاليًا في تسعير احتمالات استمرار قوة الذهب، في وقت تشير فيه المؤشرات الاقتصادية الأمريكية إلى أن الاقتصاد لا يزال يحتفظ بقدر كبير من المرونة. ورغم أن بيانات طلبات السلع المعمرة جاءت دون توقعات الأسواق، فإنها بقيت في المنطقة الإيجابية، مما يعكس استمرار النشاط الاقتصادي وعدم وجود إشارات واضحة على تباطؤ حاد يجبر مجلس الاحتياطي الفيدرالي على تغيير نهجه بصورة عاجلة. ومن هنا، فإن الرهان على دورة تيسير نقدي سريعة قد يكون سابقًا لأوانه، مما يجعل أي موجة صعود للذهب عرضة لإعادة التقييم بمجرد صدور رسائل أكثر تشددًا من البنك المركزي الأمريكي.
تقف الأسواق اليوم أمام لحظة مفصلية، إذ لن يكون قرار الفائدة وحده هو العنصر الحاسم، بل اللهجة التي سيعتمدها الاحتياطي الفيدرالي في توصيفه لآفاق الاقتصاد والتضخم. فإذا أكد البنك المركزي استمرار الضغوط السعرية أو أشار إلى أن أسعار الفائدة ستبقى مرتفعة لفترة أطول، فمن المرجح أن تستعيد عوائد السندات الأمريكية والدولار زخمهما، وهو سيناريو لا يصب في مصلحة الذهب. أما إذا حمل البيان إشارات أكثر مرونة تجاه خفض الفائدة خلال الأشهر المقبلة، فقد يجد المعدن النفيس الدعم اللازم لاختبار مستويات قياسية جديدة.
من جهة أخرى، فإن التطورات الجيوسياسية لم تعد تمنح الذهب الزخم نفسه الذي وفرته خلال الأسابيع الماضية. فالتراجع النسبي في احتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب الحديث المتزايد عن إمكانية استئناف المسار الدبلوماسي، أسهما في تهدئة شهية المستثمرين تجاه أصول الملاذ الآمن، وهو ما انعكس أيضًا في الانخفاض الحاد لأسعار النفط. إذا استمر هذا المسار السياسي، فإن العلاوة الجيوسياسية التي أضافتها الأسواق إلى أسعار الذهب ستتآكل تدريجيًا، ليعود التركيز بالكامل إلى العوامل الاقتصادية والنقدية.
ومن اللافت أيضًا أن الذهب تمكن من الارتفاع رغم تعافي الدولار الأمريكي، وهي معادلة يصعب استمرارها طويلًا بالنظر إلى العلاقة العكسية التاريخية بين الأصلين. لذلك، فإن استمرار قوة العملة الأمريكية مدعومة ببيانات قوية للناتج المحلي الإجمالي أو مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي قد يفرض ضغوطًا متزايدة على المعدن الأصفر خاصة إذا أعادت الأسواق تسعير توقعاتها بشأن توقيت خفض أسعار الفائدة.
أما بالنسبة للطلب الفعلي، فإن بيانات واردات الصين من الذهب عبر هونغ كونغ تحمل رسائل متباينة. فارتفاع الواردات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي يعكس استمرار الاهتمام الاستثماري والاستهلاكي بالمعدن النفيس. ومع ذلك، التراجع الشهري يؤكد أن الطلب بدأ يفقد جزءًا من زخمه مع اقتراب الأسعار من مستويات تاريخية مرتفعة. وهذا يعني أن الدعم القادم من الطلب الفعلي قد لا يكون كافيًا لتعويض أي ضغوط محتملة ناتجة عن تغير توقعات السياسة النقدية.
من وجهة نظري يمثل مستوى 4050 دولار اختبارًا حاسمًا لنوايا السوق أكثر من كونه بوابة مضمونة لمزيد من المكاسب. فالقدرة على اختراق هذا المستوى أو الإغلاق فوقه تحتاج إلى محفزات أساسية قوية وليس مجرد تراجع مؤقت في العوائد أو رد فعل لحظي على الأخبار. أما الفشل في تثبيت التداولات أعلى هذا المستوى فقد يدعم موجة جني الأرباح تعيد الأسعار نحو منطقة 4020 دولار والتي أعتبرها خط الدفاع الأول عن الاتجاه الصاعد على المدى القصير. وكسرها سيعني أن المشترين بدأوا يفقدون السيطرة تدريجيًا وقد يفتح المجال لتصحيح أوسع قبل استئناف أي اتجاه صاعد جديد.
في النهاية أرى أن الذهب يقف حاليًا عند نقطة تحول حقيقية حيث تتصارع قوى متناقضة؛ انخفاض عوائد السندات من جهة وقوة الدولار وترقب قرارات الاحتياطي الفيدرالي من جهة أخرى بالإضافة إلى انحسار تدريجي للعلاوة الجيوسياسية. لذلك الحركة المقبلة لن تُحسم بالعوامل الفنية وحدها بل ستحددها الرسائل القادمة من واشنطن والبيانات الاقتصادية الأمريكية. ولهذا أميل إلى الاعتقاد بأن الأسواق لا تزال تقلل من احتمالات التقلبات العنيفة خلال الأيام المقبلة وأن الذهب يقترب من اختبار مفصلي سيحدد ما إذا كانت قممه الأخيرة تمثل محطة انطلاق نحو مستويات تاريخية جديدة أم أنها مجرد قمة مؤقتة تسبق مرحلة تصحيح أكثر عمقًا.

