تشهد الأسواق المالية تحولا ملحوظا مع تزايد استخدام البنوك المركزية حول العالم لخطوط مبادلة العملات مع البنك المركزي الصيني، مما يعكس أن اليوان أصبح أداة رئيسية في التجارة الدولية ويساعد الدول على تقليل الاعتماد على الدولار، حيث تشير البيانات إلى أن السحوبات من خطوط المبادلة بلغت نحو 111.6 مليار يوان (16.4 مليار دولار) بنهاية مارس، وهو أعلى مستوى منذ عامين، مما يعكس زيادة ملحوظة في استخدام اليوان كوسيلة لتسهيل التجارة وتوفير السيولة بين الدول.

تعمل خطوط المبادلة كقنوات سيولة بين البنوك المركزية، مما يتيح للدول الحصول على اليوان مقابل عملاتها المحلية، واستخدامه في تمويل التجارة أو توفيره للبنوك المحلية والمستوردين، وهو ما يعزز من مكانة اليوان في النظام المالي العالمي ويعكس تحولاً في كيفية تفكير البنوك المركزية حيال هيمنة الدولار.

الصين وسعت شبكة اتفاقيات المبادلة مع العديد من الدول، حيث من المتوقع أن تصل إلى 32 دولة ومنطقة بنهاية عام 2025، بقيمة إجمالية تصل إلى 4.52 تريليون يوان (665 مليار دولار)، كما حقق اليوان تقدماً ملحوظاً في المدفوعات العالمية ليصبح خامس أكثر العملات استخداماً من حيث القيمة عبر نظام “سويفت” بحصة بلغت 3.10% في مارس الماضي.

هذا التوجه يعكس تحولاً في دوافع البنوك المركزية، حيث يرتبط جزء من الطلب على اليوان بصعود الصين كشريك تجاري رئيسي للعديد من الدول، خصوصاً في آسيا وأفريقيا، بينما يرتبط الجزء الآخر بالمخاوف من استخدام الدولار كأداة ضغط سياسي بعد العقوبات المالية المفروضة على بعض الدول.

نقطة تحول.

يعتبر جورج خوري رئيس قسم الأبحاث والتعليم في “سي إف آي” أن خطوط المبادلة مع الصين توفر سيولة مباشرة باليوان، مما يسهل الاستيراد والتسويات التجارية، خصوصاً في الدول التي توسعت تجارتها مع الصين، حيث لم تعد المسألة محصورة في تسهيل التجارة فقط، بل أصبحت مرتبطة بتخفيف المخاطر الجيوسياسية، خاصة بعد العقوبات على روسيا.

ويشير خوري إلى أن العديد من الدول بدأت تتساءل عن إمكانية تعرضها لعقوبات مشابهة، مما دفعها إلى تنويع احتياطياتها وخطوط المبادلة كوسيلة للحماية من المخاطر السياسية والمالية، وهو ما يتفق معه الخبير يحيى تشو شوان الذي يرى أن توسع اتفاقيات المبادلة هو نتيجة طبيعية لنمو التجارة والاستثمار بين الصين والعالم.

استمرار هيمنة الدولار رغم التراجع.

رغم تزايد استخدام اليوان، لا يزال الدولار يحتفظ بمكانته كأهم عملة في الاحتياطيات العالمية وتسعير السلع، حيث تراجعت حصته من نحو 71% عام 1999 إلى 58% حالياً، بينما تدور حصة اليوان حول 2% إلى 3%، مما يعني أن الدولار لا يزال العملة الأكثر استخداماً في سوق الصرف الأجنبي وتمويل التجارة العالمية.

هذا التحول لا يعني انهيار الدولار، بل يشير إلى انتقال تدريجي من نظام يعتمد على عملة واحدة إلى نظام متعدد العملات، وهو ما قد يستغرق سنوات طويلة ليظهر بوضوح في سلوك البنوك المركزية.

سلاح العقوبات محرك للتحول.

أحد الأسباب الرئيسية لهذا التحول هو الخوف من استخدام الدولار كأداة ضغط سياسي، حيث أظهرت العقوبات الأمريكية على روسيا أن الاحتياطيات الدولارية قد لا تكون قابلة للاستخدام في حال حدوث خلاف سياسي مع واشنطن، مما دفع الدول إلى البحث عن بدائل أكثر أماناً.

ويؤكد مؤيد الزعبي أن التوسع في استخدام خطوط المبادلة مع الصين يعكس تحولاً عميقاً في تفكير البنوك المركزية، حيث بدأت العديد من الدول تدرك أن الاعتماد الكامل على الدولار يعرض اقتصاداتها لمخاطر كبيرة، مما دفعها نحو تنويع الأدوات النقدية.

لماذا لا يحل اليوان محل الدولار سريعا؟

رغم توسع استخدام اليوان، إلا أن هناك عقبات كبيرة تمنعه من منافسة الدولار بشكل كامل، أولها القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال في الصين، مما يقلل من حرية دخول وخروج المستثمرين مقارنة بالأسواق الأمريكية، كما أن أسواق السندات الأمريكية لا تزال الأعمق والأكثر سيولة.

يشرح شاهر الشاهر أن أبرز العقبات أمام اليوان تتعلق بعدم تحرره الكامل وخضوع حركة رأس المال لقيود، بينما يرى الزعبي أن الصين نفسها لا ترغب في صعود اليوان بسرعة كبيرة، حيث إن قوة العملة قد تضر بالميزة التنافسية لصادراتها.

العرب وأفريقيا في قلب التحول.

تعتبر المنطقة العربية وأفريقيا من أكثر المناطق تأثراً بصعود اليوان، حيث إن التجارة مع الصين تتوسع بشكل كبير، مما يمنح هذه الدول مرونة أكبر في التجارة ويخفف الضغط على احتياطيات الدولار.

يؤكد خوري أن استخدام اليوان قد يسهم في تقليل تكاليف التحويلات وتعزيز تمويل مشاريع البنية التحتية، بينما يرى تشو شوان أن توسيع استخدام اليوان يمكن أن يسهم في خفض تكاليف التحويلات وتقليل مخاطر تقلبات أسعار الصرف.

هل يصل اليوان إلى النفط؟

يعتبر تشو شوان أن هناك إمكانية لتسعير جزء من صادرات النفط باليوان مستقبلاً، لكن نظام “البترودولار” لا يزال الركيزة الأساسية لأسواق الطاقة العالمية، بينما يتفق الزعبي مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن تسعير النفط باليوان قد يبدأ بصورة تدريجية ومحدودة، مما قد يدعم فكرة النظام المالي متعدد العملات.

* الجزيرة.

انتهى.