أعلن البيت الأبيض عن أداء كيفن وارش اليمين الدستورية كرئيس لمجلس الاحتياط الفدرالي أمام الرئيس دونالد ترمب يوم الجمعة المقبل، وذلك بعد موافقة مجلس الشيوخ على تعيينه بأغلبية ضيقة، مما يعكس الانقسام الحزبي الحاد في تاريخ التعيينات لهذه المؤسسة النقدية الهامة التي تعد بمثابة البنك المركزي للبنوك المركزية الكبرى حول العالم.

وانتهت ولاية جيروم باول كرئيس للبنك الفدرالي يوم الجمعة الماضي، إلا أن مسيرته في البنك لم تنته بعد، حيث تم تعيينه رئيسا مؤقتا لتصريف الأعمال حتى تسليم الشعلة رسميا لوارش يوم الجمعة المقبل، وعلى غير المعتاد، صرح باول بأنه لن يغادر البنك بل سيبقى كعضو في مجلس محافظي البنك حتى انتهاء ولايته في يناير 2028، وتهدف خطوة باول إلى حماية استقلالية البنك المركزي في ظل التحقيقات الجنائية التي فتحتها إدارة ترمب ضده، ولكن بعض المحللين يرون أن هذه الخطوة تهدف لتأخير تعيين بديل يتماشى مع رغبات ترمب.

ويواجه وارش تحديات اقتصادية وجيوسياسية معقدة عند تسلمه منصبه، حيث تتشابك وعوده السابقة مع الصراع العسكري المستمر مع إيران، مما يؤثر مباشرة على الأسواق والسياسات النقدية في العالم العربي ومنطقة الخليج، وقبل ترشيحه، كان وارش معروفا برؤيته المؤيدة لخفض أسعار الفائدة، خاصة بعد تقديمه نظرية اقتصادية تفيد بأن طفرة الإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كفيلة بكبح جماح التضخم، مما يسمح للفدرالي بخفض الفائدة دون القلق من اشتعال الأسعار.

لكن الخطط الرامية لخفض الفائدة بعد الإطاحة بباول تبخرت مع بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث قفزت أسعار النفط فوق 110 دولارات للبرميل، خاصة مع تعقيدات الملاحة في مضيق هرمز وتعطل الإنتاج في بعض الدول المصدرة للنفط، وأدى ذلك إلى ارتفاع التضخم الأمريكي إلى 3.8%، أي ما يقارب ضعف مستهدف الفدرالي البالغ 2%.

ومع تغير الظروف، اضطر وارش لتغيير خطابه، ورغم ميله الفكري لخفض الفائدة، تشير توقعات خبراء وول ستريت إلى أنه سيبقي على أسعار الفائدة ثابتة عند مستوياتها الحالية بين 3.50% و3.75% دون أي خفض خلال عام 2026، بل قد يضطر لرفع الفائدة لاحقا إذا استمر التضخم في الارتفاع، ومع ارتباط العديد من دول المنطقة عملاتها بالدولار الأمريكي، تواجه هذه الدول تحديات كبيرة في إدارة السياسة النقدية بشكل فعال، مما يعني أن أي قرار يتخذه وارش سينعكس تلقائيا على أسواق المنطقة.

وبسبب ربط العملة بالدولار، تضطر البنوك المركزية لرفع أو تثبيت أسعار الفائدة بالتزامن مع قرارات البنك الفدرالي، لمنع خروج رؤوس الأموال ومحاربة الضغوط التضخمية المحلية، ويؤدي استمرار ارتفاع معدلات الفائدة لفترات طويلة إلى بقاء تكلفة الاقتراض مرتفعة، مما قد يبطئ نمو القطاعات غير النفطية مثل الإنشاءات والتمويل.

تخلق البيئة الحالية مفارقة فريدة لأسواق الخليج، حيث تحقق الميزانيات الخليجية فوائض مالية ضخمة نتيجة ارتفاع أسعار النفط، في حين أن الفائدة المرتفعة تسحب السيولة من أسواق الأسهم لصالح السندات والودائع البنكية الآمنة، مما يحد من المكاسب القياسية لأسواق المال العربية.

وأدى الاضطراب الاقتصادي الإقليمي الناجم عن الحرب إلى زيادة التكلفة التشغيلية للتجارة ومخاطر الشحن، مما دفع بعض القوى الاقتصادية الكبرى في المنطقة للسعي للحصول على خطوط مقايضة مباشرة مع الفدرالي الأمريكي لضمان استمرار التدفقات النقدية في ظل حالة عدم اليقين.

ولم يقتصر تأثير الحرب على دول الخليج الغنية، بل قد تكون الدول العربية غير النفطية من أكبر المتضررين من سياسات وارش المتريثة، ومع استمرار ارتفاع الفائدة، تتعطل عودة الاستثمارات الأجنبية إلى السندات المحلية، مما يزيد من صعوبة استدامة ديون هذه الدول في ظل كلفة فاتورة استيراد الطاقة المتزايدة وضغوط النقد الأجنبي.

لم تأت رياح مضيق هرمز بما تشتهيه السفن، حيث كانت التوقعات تشير إلى خفض الفائدة، بينما كانت الاقتصادات المحلية تستعد لهبوط ناعم لتكلفة الاقتراض، تأتي سياسات وارش المتريثة لتجد البنوك المركزية العربية مضطرة لمجاراة البنك الفدرالي والتمسك بالفائدة المرتفعة، مما يعني أن المقترض أو المستثمر العربي قد يضطر لتأجيل خطط التوسع التمويلي الكبرى حتى تتضح الرؤية الجيوسياسية.

وحتى يقرر الفدرالي الأمريكي فك عقدة الفائدة، يتعين على الجميع تذكر أن ضغط المصاريف وترشيد الإنفاق هما الملاذ الآمن، كما يقول المصريون “القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود”، خاصة إذا كان ذلك اليوم مليئا بأخبار ناقلات النفط وتغريدات ساكن البيت الأبيض.