يدخل موسم فيضان نهر النيل مرحلته الأكثر أهمية خلال شهر أغسطس من كل عام، حيث تبدأ وزارة الموارد المائية والري في تكوين الصورة الأولية لحجم الإيراد المائي القادم من الهضبة الإثيوبية، تمهيدًا لوضع الموازنة المائية للدولة وخطة تشغيل السد العالي وبحيرة ناصر للعام المائي الجديد.
يعد شهر أغسطس المؤشر الرئيسي لتحديد طبيعة الموسم، سواء كان فيضانًا مرتفعًا أو متوسطًا أو منخفضًا. في وقت تشير فيه التوقعات المناخية إلى احتمالات تحسن معدلات الأمطار على مناطق المنابع خلال الشهرين المقبلين، بعد تسجيل يوليو كميات أقل من المعدلات الطبيعية.
لماذا يمثل أغسطس شهر الحسم؟
كشف المهندس سامح عبدالرحمن، نائب رئيس قطاع مياه النيل بوزارة الموارد المائية والري، أن الكميات الواردة إلى مصر خلال شهر يوليو لا تمثل سوى نحو 15% من إجمالي الإيراد السنوي لمياه النيل. بينما تصل النسبة الأكبر خلال شهر أغسطس، مما يجعل هذا الشهر الأكثر أهمية في تقييم موسم الفيضان.
وأوضح سامح عبدالرحمن، لـ مصراوي، أن الهضبة الإثيوبية توفر نحو 85% من المياه التي تصل إلى مصر. ولذلك تبدأ الوزارة اعتبارًا من منتصف أغسطس في إجراء تقييم أولي لموسم الفيضان، اعتمادًا على كميات المياه الواردة، بهدف إعداد خطة تشغيل السد العالي وبحيرة ناصر، ووضع الموازنة المائية التي تضمن تلبية الاحتياجات المختلفة للدولة خلال العام المائي الجديد.
وأشار إلى أن التقييم لا يعتمد على مؤشر واحد فحسب، بل يستند إلى مجموعة من البيانات الهيدرولوجية والمناخية التي تسمح بوضع سيناريوهات تشغيل مرنة للتعامل مع مختلف الاحتمالات.
تحسن مرتقب للأمطار بعد تراجع يوليو
من جانبها، أوضحت الدكتورة منار غانم، نائب مدير المكتب الإعلامي بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، أن شهر يوليو سجل معدلات أمطار أقل من المتوسط على مناطق منابع النيل والهضبة الإثيوبية والسودان. إلا أن الخرائط الجوية والنماذج العددية الحالية تشير إلى فرص تحسن كميات الأمطار خلال شهري أغسطس وسبتمبر.
وأضافت منار غانم لـ مصراوي أن تقييم الموسم المطري لا يعتمد على شهر واحد فقط، بل على الأشهر الثلاثة الرئيسية للموسم وهي يوليو وأغسطس وسبتمبر. مؤكدة أن الحكم النهائي على الموسم لا يتم إلا بعد انتهائه ومقارنة إجمالي الأمطار بالمعدلات المناخية المعتادة.
وأشارت إلى أن الهيئة تتابع باستمرار حركة الفاصل المداري الذي يعد من أهم المؤشرات المرتبطة بزيادة فرص سقوط الأمطار على مناطق المنابع. حيث يؤدي تحركه شمالًا خلال الصيف إلى تعزيز فرص هطول الأمطار على الهضبة الإثيوبية.
هل تعني “النينو” انخفاض الفيضان؟
أكد نائب رئيس قطاع مياه النيل أن ظاهرة “النينو” لا يمكن اعتبارها مؤشرًا وحيدًا لتوقع حجم الفيضان، رغم ارتباطها علميًا بزيادة احتمالات الجفاف في بعض المناطق.
وأوضح أن تأثير الظاهرة يختلف من عام إلى آخر. مستشهدًا بعام 2015 الذي شهد جفافًا متزامنًا مع نشاط “النينو”. بينما سجل عام 2024 فيضانًا مرتفعًا رغم وجود الظاهرة نفسها. مما يعكس وجود عوامل مناخية وهيدرولوجية أخرى تتحكم في حجم الإيراد المائي القادم من الهضبة الإثيوبية.
سيناريوهات وزارة الري للتعامل مع الموسم الجديد
كشف نائب رئيس قطاع مياه النيل أن وزارة الموارد المائية والري أعدت منظومة متكاملة من السيناريوهات للتعامل مع مختلف أوضاع الإيراد المائي. سواء في حالات الجفاف أو الفيضانات المرتفعة أو الأقل من المتوسط. إلى جانب المتغيرات التشغيلية المختلفة بما يضمن استدامة إدارة الموارد المائية وتأمين احتياجات الدولة.
وأوضح أن الوزارة تضع بدائل تشغيلية لكل سيناريو وفقًا لحجم المياه الواردة من الهضبة الإثيوبية. بحيث يتم اتخاذ القرارات المناسبة بمجرد اتضاح طبيعة الموسم.
السيناريو الأول: انخفاض الفيضان أو الإيراد المائي
في حال انخفاض الإيراد المائي عن المعدلات الطبيعية أو مقارنة بالعام السابق. قد تعيد الوزارة النظر في مساحات زراعة الأرز باعتبارها ترتبط بحصة مصر الثابتة من مياه النيل والبالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا والتي يتم على أساسها تحديد المساحات المصرح بزراعتها كل عام.
وأوضح عبدالرحمن أن زيادة الإيراد المائي تسمح بالتوسع في المساحات المنزرعة بالأرز. بينما تستدعي حالات انخفاضه تطبيق إجراءات ترشيدية تشمل تقليص تلك المساحات بما يضمن توفير المياه لمختلف الاستخدامات.
وأضاف أن الدولة تتوسع في استنباط أصناف جديدة من الأرز أقل استهلاكًا للمياه وأكثر إنتاجية بما يسهم في ترشيد الموارد المائية مع الحفاظ على الإنتاج الزراعي.
السيناريو الثاني: استمرار انخفاض الإيراد لفترة
أكد عبدالرحمن أن انخفاض الفيضان لا يعني بالضرورة وجود أزمة مائية. إذ تعتمد الوزارة في هذه الحالة على السحب من المخزون الاستراتيجي ببحيرة ناصر لتعويض أي عجز. مشددًا على أن المخزون الحالي يكفي لتلبية احتياجات البلاد لعدة سنوات حال التعرض لفترات جفاف أو انخفاض في الإيراد المائي.
وأشار إلى أن الوضع المائي في مصر مستقر حتى الآن ولا يدعو إلى القلق. مؤكدًا أن منظومة إدارة المياه قادرة على التعامل مع مختلف الظروف.
السيناريو الثالث: الفيضان المرتفع
في المقابل، أوضح نائب رئيس قطاع مياه النيل أنه في سنوات الفيضان المرتفع يتم تخزين المياه في بحيرة ناصر بينما يتم تصريف الكميات الزائدة عبر منخفض توشكى إذا تجاوزت الحدود الآمنة. بما يحافظ على سلامة السد العالي ومنظومة إدارة المياه مع تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المائية.
وأكد أن جميع هذه السيناريوهات تُدار وفق منظومة تشغيل مرنة تتيح للوزارة الاستجابة السريعة لأي تغيرات في الإيراد المائي دون التأثير على احتياجات قطاعات الشرب والزراعة والصناعة.
متى يصبح الشح المائي خطرًا؟
ويرى الدكتور نادر نور الدين أستاذ الأراضي والموارد المائية بجامعة القاهرة أن تعرض مصر لعام واحد فقط لانخفاض الإيراد المائي لا يمثل أزمة كبيرة بفضل وجود مخزون استراتيجي في بحيرة ناصر وآليات إدارة الموارد المائية.
لكنه حذر من أن التحدي الحقيقي يتمثل في تكرار سنوات الجفاف لعدة أعوام متتالية وهو السيناريو الذي قد يفرض ضغوطا كبيرة على الموارد المائية ويستلزم إجراءات أكثر صرامة لترشيد الاستخدام.
وأشار نور الدين لـ مصراوي إلى أن الدولة اتخذت بالفعل عدة خطوات لمواجهة أي ضغوط مستقبلية تشمل تقليص المساحات المزروعة بالمحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه مثل الأرز وقصب السكر وتشديد الرقابة على الزراعات المخالفة بالإضافة إلى تنفيذ مشروع تبطين الترع الذي يسهم في تقليل الفاقد المائي والحد من نمو الحشائش وتحسين كفاءة نقل المياه.

