كانت عقارب الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل، والبيت هادئ، بينما كان الشارع يغرق في سكون الليل بمنطقة شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية. الحاجة صنعة، كأي أم، كانت مشغولة بأبنائها حتى في أصعب الأوقات. دخلت المطبخ لتعد العشاء لابنها محمد، دون أن تدري أن تلك الوجبة ستكون آخر ما تقدمه له، وأن الليل الهادئ سيتحول بعد دقائق إلى ساعات طويلة من الرعب والألم.
كان محمد قد انزلق في طريق المخدرات منذ فترة، وأصبح المال هو كلمة السر في معظم خلافاته مع والدته. كلما احتاج إلى شراء المخدرات، كان يطلب منها المال. أحيانًا كانت تعطيه خوفًا من بطشه، وأحيانًا أخرى كانت ترفض، مما يؤدي إلى نشوب خلاف بينهما.
الحاجة صنعة تخشى على ابنها وتدخر المال لمستقبله
كانت الأم تخشى على ابنها أكثر مما تخشاه منه. كانت تتمنى أن يترك هذا الطريق ويعود كما كان، ولذلك حاولت مساعدته أحيانًا حتى لا تدفعه الحاجة إلى ما هو أسوأ. وكانت تحتفظ ببعض الأموال التي ادخرتها لمستقبلها وجزء منها كانت تعتبره أمانًا لابنها.
طلب بسيط يشعل بداية المأساة
بينما كانت والدته في المطبخ تعد له العشاء، طلب منها 500 جنيه. عندما طلبت منه الانتظار حتى تنتهي من إعداد الطعام، بدأ يضغط عليها للحصول على المال. أدركت الأم أن الأمر لم يعد مجرد طلب عابر وأنه يريد الوصول إلى الأموال التي تحتفظ بها.
عندما رفضت إعطاءه المال، غضب محمد وتحول الخلاف إلى لحظة عنف مفاجئة. أمسك قطعة خشبية وبدأ في الاعتداء على والدته، مضربًا إياها في أنحاء متفرقة من جسدها بينما كانت تحاول الدفاع عن نفسها.
ضربات متتالية حتى سقطت الحاجة صنعة
استمرت الضربات حتى سقطت الحاجة صنعة على الأرض. نظر محمد إليها وظن أنها فارقت الحياة؛ لم يحاول إنقاذها أو طلب الإسعاف بل تركها ساقطة وذهب إلى التلفاز ليشغل القرآن الكريم ورفع صوته ثم دخل غرفته لينام تاركًا أمه تصارع الموت وحدها.
بينما كان ابنها نائمًا في الغرفة الأخرى، كانت الحاجة صنعة تحاول استجماع قواها للنجاة. حاولت أن تطلب النجدة لكن جسدها كان منهكًا من الضربات وصوت القرآن يملأ المكان. كانت تستغيث لكن صوتها الضعيف كان يضيع وسط صوت التلفاز.
نداء الاستغاثة
مع اقتراب الصباح، حضرت دعاء ابنة صنعة وشقيقة محمد للاطمئنان على والدتها. طرقت الباب ونادت على أمها لكن محمد حاول منعها من الدخول. شعرت دعاء بأن هناك شيئًا غير طبيعي فأصرت على الدخول لكنه رفض.
وسط حديثهما سمعت صوت والدتها تقول: “الحقيني يا دعاء.. أنا بموت.. أمك بتموت يا دعاء.. وديني المستشفى”. حاولت دعاء الدخول لكن محمد وقف في طريقها فاستغاثت بالجيران وارتفعت صرخاتها أمام المنزل.
العثور على الحاجة صنعة
وصل الجيران وتمكنوا من السيطرة على محمد وفتح الباب لدخولهم حيث وجدوا صنعة ملقاة على الأرض مصابة بإصابات بالغة وعاجزة عن الحركة بعد الاعتداء الذي تعرضت له. لم يضيع الجيران وقتهم وحملوها ونقلوها إلى المستشفى.
وفي طريقهما إلى المستشفى، جلست دعاء بجوار والدتها تحاول معرفة ما حدث؛ فقالت لها إن شقيقها طلب منها 500 جنيه لشراء المخدرات وأنه اعتدى عليها بقطعة خشبية بعدما رفضت إعطاءه المال. للأسف فارقت الحاجة صنعة الحياة متأثرة بإصابتها أثناء تلقي العلاج.
وبتفتيش مكان الواقعة عثر النقيب أحمد خليل عبد الوهاب أحمد معاون مباحث قسم أول شبرا الخيمة على الأداة الخشبية المستخدمة في الاعتداء وبها آثار دماء وخصلات شعر لتصبح شاهد إثبات صامت لما حدث داخل المنزل.
تم تحرير محضر بالواقعة وتولت النيابة العامة التحقيق التي أمرت بإحالته إلى محكمة الجنايات للمحاكمة العاجلة حيث تنظر الدائرة الأولى بمحكمة جنايات شبرا الخيمة برئاسة المستشار أيمن فؤاد فهمي وعضوية المستشارين أيمن حسين حمدان وحسام همام العادلي وهيثم حلمي علي ومحمد علي حمودة وأمانة سر إيهاب سليمان محاكمة المتهم.

