غالبًا ما تبدأ المهرجانات الفنية بخطاب رسمي، لكن افتتاح الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري طرح سؤالًا مختلفًا: هل يمكن أن يكون الشعار البصري للمهرجان جزءًا من العرض نفسه؟ وكيف يمكن له أن يعبر عن رؤيته وهويته؟
منذ اللحظات الأولى لانطلاق حفل الافتتاح على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، ظهر بوضوح أن التركيز الحقيقي كان على ترجمة هوية الدورة الجديدة إلى لغة مسرحية عبر العرض الراقص “سفر”، من تصميم الفنانة كريمة بدير، تحت إشراف الفنان وليد عوني. لم يتعامل العرض مع الحركة باعتبارها استعراضًا راقصًا منفصلًا عن المهرجان.
من عنوان العرض “سفر”، نستطيع أن ندرك أن الرحلة هي الفكرة المركزية التي يدور حولها البناء البصري. كان اختيار العنوان مدروسًا، إذ يعبر عن فكرة انتقال المسرح من العاصمة إلى فضاء أوسع يمتد إلى محافظات مصرية أخرى، وهي الرؤية التي تبناها المهرجان في دورته الحالية من خلال امتداد فعالياته خارج القاهرة.
ولم تُقدَّم الفكرة بخطاب مباشر، بل عبر لوحات حركية طافت بمحافظات مصر، وساعد على ذلك تكامل عناصر العرض من موسيقى وسينوغرافيا داخل نسيج بصري متماسك.
لم تكن الحركة وحدها هي البطلة؛ بل جاء التعامل مع بوستر المهرجان بشكل ذكي، حيث تحول من مجرد شعار بصري مطبوع إلى صورة حية متحركة. استُثمرت شخصياته بوصفها أبطالًا للعرض، كما تحولت ستائره الجانبية إلى ستائر مسرحية تستقبل الضيوف المكرمين بعد انتهاء العرض.
رغم بساطة الفكرة، فإنها كانت من أكثر لحظات الافتتاح بلاغةً؛ حيث تحول الشعار إلى بوابة عبور، وتحولت الهوية البصرية إلى فعل درامي حي ومستمر على خشبة المسرح مع كل تكريم.
تحمل هذه الرؤية الإخراجية بصمة الفنان وليد عوني، الذي اعتاد النظر إلى العمل المسرحي باعتباره تركيبة بصرية متكاملة. ظهرت بصمته أيضًا في بعض مقاطع موسيقى العرض ذات الطابع الصوفي، وهي التيمة التي تميز كثيرًا من عروضه.
لم يخلُ العرض من بعض الملاحظات النقدية؛ فقد تكررت بعض التيمات البصرية أثناء الانتقال بين اللوحات. وقد يرى البعض أن المقتطفات التمثيلية الخاصة بالمحافظات المختلفة جاءت أقرب إلى الاسكتشات القصيرة. إلا أن هذه الملاحظات لا تنتقص من نجاح التجربة في تحقيق هدفها الأساسي، وهو تقديم افتتاح يليق باسم المهرجان ويعبر عن رؤيته وهويته وفلسفته بعيدًا عن القوالب التقليدية.
في النهاية، يعد عرض الافتتاح “سفر” نموذجًا جيدًا لإثبات قدرة المسرح على الانتقال عبر وسائط متعددة؛ فقد يبدأ من مجرد تصميم مطبوع لكنه يكتمل حين تتحول الصورة إلى حياة فوق خشبة المسرح.

