بعد إعلان نتيجة الثانوية العامة 2026، أقبل بعض الطلاب على إنهاء حياتهم بسبب تدني درجاتهم التي اعتقدوا أنها لن تحقق أحلامهم.
وفي هذا السياق، كشفت وزارة الأوقاف المصرية الحكم الشرعي بشأن الانتحار، مشيرةً إلى الحلول الجذرية لهذه الظاهرة السلبية.
الأوقاف توضح الرأي الشرعي في الانتحار وأدلته
أكدت وزارة الأوقاف أن الحكم الشرعي في مسألة الانتحار قاطع وحاسم، حيث يُعتبر من كبائر الذنوب، وتحريمه ثابت بنصوص قطعية من الكتاب والسنة.
١. الأدلة من القرآن الكريم:.
جاء النهي الإلهي صريحًا، مقرونًا برحمة الله التي تقتضي حفظ النفس لا إتلافها.
الآية المحورية: يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩].
فهذا يشمل قتل الإنسان لنفسه، كما يشمل قتل بعضكم لبعض؛ فكأن الأمة نفس واحدة، وقتل فرد منها هو قتل للمجتمع بأسره. ثم يأتي التعليل بعد النهي: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}، أي أن هذا التشريع لم يأتِ ليضيق عليكم بل جاء من فرط رحمته بكم ليحميكم من أنفسكم ومن غضبكم ويأسكم. وقد استدل الصحابي الجليل عمرو بن العاص بهذه الآية في حضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ليبرر تيممه في البرد الشديد خوفًا على نفسه من الهلكة، فأقره النبي مما يدل على أن معنى الآية يشمل كل ما يؤدي إلى إتلاف النفس.
وعيد المخالف: ثم تتبع الآية مباشرة بالوعيد الشديد لمن يخالف هذا النهي: {وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: ٣٠].
حرمة النفس كأصل كلي:.
يقول تعالى في سياق الوصايا الكبرى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: ١٥١]. والنفس هنا تشمل نفس الإنسان ونفس غيره؛ فالنفس البشرية مصانة ومحرمة في ذاتها بأمر خالقها.
النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة: يقول جل وعلا: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: ١٩٥]. والانتحار هو أرقى وأوضح صور الإلقاء بالنفس إلى التهلكة المحققة في الدنيا والآخرة.
٢. الأدلة من السنة النبوية المطهرة:.
جاءت السنة لتفصل هذا الحكم وتوضح صوره وعواقبه بشكل لا يدع مجالًا للبس.
الجزاء من جنس العمل: جاء في الحديث قاعدة كلية: «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بشيءٍ عُذِّبَ به في نار جَهَنَّم» [صحيح البخاري (٦٦٥٢)]، وتفصيل ذلك في الحديث الآخر: «مَن تَرَدّى مِن جَبَلٍ فَقَدْ قُتِل نفسه، فهو في نار جَهَنَّم يتردى فيها خالداً مُخلداً فيها أبداً» [أخرجه البخاري (٥٧٧٨)]. إن هذا التصوير الدقيق للعذاب يوضح أن الفعل نفسه سيستمر كعقوبة ليذوق المنتحر مرارة قراره الأبدي.
بطلان العمل بالخاتمة السيئة: في قصة الرجل الذي قاتل قتالاً شديداً في غزوة خيبر حتى أُعجب به المسلمون، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال عنه: «هذا مِن أهْل النار». فلما أصابته الجراح ولم يصبر على ألمها، استخرج سهمًا وقتل نفسه. فجاء الخبر مصدقاً لكلام رسول الله الذي أعلن القاعدة الخالدة: «إنَّ اللّه يُؤَيِّد الدِّين بالرَّجُل الفاجِر».
وهنا تظهر مسألة أن العمل لا يُقيّم بظاهره فحسب بل بحقيقته القلبية وخاتمته. لقد أبطل هذا الرجل كل جهاده الظاهري بفعل واحد من الجزع واليأس، فدلّ على أن صبره لم يكن لله بل لحمية أو رياء.
استعجال قضاء الله: وفي الحديث القدسي الذي يقشعر له البدن، يروي النبي -صلى الله عليه وسلم- قصة رجل كان به جرح فجزع ولم يصبر فأخذ سكيناً فقطع يده فنزف حتى مات فقال الله تعالى: «بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة» [أخرجه البخاري (٣٤٦٣)]. إن كلمة “بادرني” تصور الأمر كأن العبد يسابق قدر الله ويستعجل أمره ويتصرف في أمانة الروح التي هي ملك لخالقها وحده. فكان العقاب من جنس الفعل؛ لما استعجل هو فراق الدنيا الفانية حرم عليه نعيم الجنة الباقية.
آثار الانتحار وأضراره (حصاد الهشيم)
إن التعدي على النفس بالقتل يترك وراءه دمارًا على مستويات عدة:.
- على المستوى الفردي: هو الخسران المبين حيث يغلق المنتحر على نفسه باب التوبة ويفوت فرصة المغفرة والرحمة ويقدم على الله عاصيًا بأعظم الذنوب بعد الشرك ويستقبل الوعيد الإلهي الشديد.
- على المستوى الأسري: هو سهم نافذ في قلب الأسرة يترك وراءه جرحًا من الألم والحسرة لا يندمل وقد يلحق بهم العار والوصمة الاجتماعية في بعض الثقافات.
- على المستوى المجتمعي: هو مؤشر على خلل في شبكة الأمان المجتمعية ودليل على انتشار ثقافة اليأس وضعف قيم التكافل والتراحم التي هي صمام الأمان ضد الأزمات النفسية.
المعالجة والأثر الإيجابي لترك الانتحار (سبل النجاة)
وأوضحت الأوقاف أن علاج الانتحار لا يكون بالنهي فحسب بل ببناء منظومة متكاملة من الحصانة النفسية والإيمانية والمجتمعية.
المعالجة المفهومية والإيمانية:
- تصحيح مفهوم الابتلاء يجب أن نفهم أن الدنيا دار امتحان لا دار استقرار. الألم والشدة جزء من طبيعتها والصبر عليها هو عين العبادة.
- تنمية اليقين بأن الروح أمانة الروح ليست ملكًا شخصيًا نتصرف فيه كيفما نشاء بل هي وديعة إلهية أودعها الله فينا لغاية وسيسألنا عن هذه الأمانة.
- اللجوء إلى البديل النبوي لقد حرم الإسلام حتى مجرد “تمني الموت” ولكنه قدم البديل العملي لمن ضاقت به السبل وهو الدعاء المفعم بالتسليم “اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي”. هذا الدعاء هو قمة العبودية حيث يفوض العبد أمره كله لعلم الله وحكمته.
المعالجة المجتمعية والسلوكية:
- تفعيل دور الأسرة والمجتمع على المحيطين بمن يمر بأزمة نفسية واجب الاحتواء والاستماع والدعم وربطه بأهل الاختصاص من الأطباء النفسيين والعلماء.

