في تاريخ الأمم، توجد لحظات لا يكون الصمت فيها حكمة، بل يتحول إلى عبء أخلاقي. وهناك لحظات أخرى لا تقاس فيها المواقف بحسابات السياسة، بل تُوزن بميزان الضمير والإنسانية. وما قضية سماحة المفتي الشيخ أحمد بدر الدين حسون، مفتي الجمهورية العربية السورية السابق، إلا واحدة من تلك اللحظات التي تستدعي صوتًا كبيرًا بحجم الأزهر الشريف، ورجلًا بمكانة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، الذي ظل طوال سنواته رمزًا للاعتدال، وحاملًا لرسالة الإسلام القائمة على الرحمة والعدل وصيانة كرامة الإنسان.

لقد كان الأزهر عبر أكثر من ألف عام مؤسسة تعبر عن ضمير الأمة الإسلامية بأسرها. ولذلك، فإن المسلمين من المحيط إلى الخليج ينظرون إلى الإمام الأكبر كمرجعية تتجاوز حدود الجغرافيا، حين تعجز السياسة عن فتح الأبواب، وتصبح الكلمة الصادقة هي آخر ما يملكه أصحاب الضمائر الحية.

من هذا المنطلق، فإن الدعوة لتدخل الإمام الأكبر ليست دعوة سياسية أو انحيازًا لطرف ضد آخر، بل هي نداء إنساني وأخلاقي لرجل تجاوز الثمانين من عمره، له مكانته العلمية والدعوية. ويستحق -قبل أي شيء- أن تصان كرامته الإنسانية وتُكفل له جميع ضمانات العدالة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية قبل أن تنص عليها القوانين والمواثيق الدولية.

لقد عرف العالم الإسلامي الشيخ أحمد بدر الدين حسون خطيبًا وعالمًا ومفكرًا حاضرًا في عشرات المؤتمرات الإسلامية والدولية. وقد دافع دائمًا عن ثقافة الحوار بين الحضارات ومشاركته في مبادرات التقريب بين الأديان.. مؤكدًا أن الإسلام هو رسالة رحمة وليس انتقام. وقد يختلف البعض معه في مواقفه أو اجتهاداته وهذا حق مشروع؛ فالاختلاف سنة من سنن الحياة. لكن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع العدالة أو انتقاص من الحقوق الأساسية التي لا يجوز أن تُسلب من أي إنسان.

ومن أبرز المواقف التي ستظل شاهدة على سماحته ذلك الموقف الذي سجله التاريخ عندما استشهد نجله سارية على يد جماعات تكفيرية خلال سنوات الحرب الإرهابية على سورية. ففي الوقت الذي كان الجميع يتوقع فيه أن يطالب بالثأر، خرج ليقول إنه يسامح في دم ابنه حقنًا لدماء السوريين. لم يكن ذلك تصريحًا عابرًا بل كان رسالة أخلاقية عميقة مفادها أن الأوطان لا تبنى بالانتقام وأن الدم لا يُداوى بمزيد من الدم وأن قيمة الإنسان أكبر من رغبة الثأر.

اليوم تتداول العديد من الفيديوهات عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي لمحاكمة هزلية لسماحة الشيخ حسون، حيث تقوم هيئة المحكمة المزعومة بإهانة هذا الرمز الديني الإسلامي العالمي ويأتون بشهود يدلون بشهادات مزورة غريبة وعجيبة.. كما شاهدنا أيضًا فيديوهات لابنه الأكبر يؤكد فيها تعرض والده للتعذيب واحتجازه لمدة خمسة عشر يومًا داخل مرحاض ويعبر عن قلقه البالغ على أوضاعه الصحية والإنسانية أثناء احتجازه ويتحدث عن تعرضه لظروف قاسية.

هذه الروايات تستوجب تحقيقًا شفافًا وضمانًا كاملًا لحقوقه القانونية والإنسانية بما يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئ العدالة. وحتى مع وجود اتهامات مزورة موجهة إليه، فإن الأصل هو أن تنظر أي قضية في إطار محاكمة عادلة ومستقلة بعيدًا عن التشهير أو الانتقام أو الإذلال.

إن العدالة ليست انتصار المنتصر بل هي حماية حق الإنسان حتى وهو في موضع الاتهام. وهذه هي الرسالة التي حملها الإسلام إلى البشرية وهي الرسالة نفسها التي ظل الأزهر الشريف يدافع عنها في كل المحافل.

لقد تلقيت اتصالاً من الأخت الفاضلة العميد الركن عدنة خير بك، إحدى القيادات السابقة في الجيش العربي السوري، طالبتني فيه بأن أوصل رسالة عاجلة إلى فضيلة الإمام الأكبر لما يجمعه من علاقة احترام وتقدير مع الشيخ أحمد بدر الدين حسون. آملةً أن يتدخل بما له من مكانة روحية وعالمية للمطالبة بالإفراج عنه فوراً وضمان سلامته وحقوقه القانونية والإنسانية.

وانطلاقاً من هذا النداء سعت كذلك للتواصل مع أحد الأصدقاء العاملين في المكتب الإعلامي للأزهر الشريف رجاءً بأن تصل الرسالة إلى الإمام الأكبر مباشرة إيماناً بأن الكلمة الصادقة قد تنقذ حياة إنسان.

إن مكانة الإمام أحمد الطيب لا تمنحه سلطة سياسية لكنها تمنحه سلطة أخلاقية هائلة أثبت التاريخ أنها أقوى من نفوذ الساسة. ولعل كلمة واحدة تصدر عنه أو مبادرة إنسانية يقودها الأزهر تكون سبباً في فتح باب للحوار أو توفير ضمانات العدالة أو إنهاء معاناة رجل مسن أفنى عمره في خدمة العلم والدعوة الإسلامية.

إن التاريخ لا يتذكر دائمًا من انتصر في المعارك بل يتذكر الذين انتصروا للإنسان ومن وقفوا مع المظلوم حين خاف الآخرون ومن رفعوا أصواتهم دفاعاً عن الكرامة الإنسانية دون سؤال عن الانتماءات أو الحسابات السياسية.

لهذا أوجه ندائي إلى الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب وإلى علماء الأزهر الشريف وإلى كل المؤسسات الدينية والفكرية والحقوقية العربية والإسلامية بأن يجعلوا من هذه القضية قضية ضمير وأن يبذلوا ما يستطيعون من مساعٍ إنسانية لضمان سلامة الشيخ أحمد بدر الدين حسون وتمتعه بكامل حقوقه القانونية والإنسانية حتى يتم الإفراج عنه.

فالرحمة ليست ضعفاً والعدل ليس انحيازاً وصيانة كرامة الإنسان ليست موقفاً سياسياً بل هي جوهر الرسالات السماوية جميعها. ولعل التاريخ يسجل في هذه اللحظة أن صوت الحكمة الذي خرج من الأزهر الشريف كان سبباً في إنقاذ رجلٍ من رجال العلم وفي التأكيد مرة أخرى أن المؤسسات الدينية الكبرى لا تنحاز إلا للعدل ولا تنتصر إلا للإنسان اللهم بلغت اللهم فاشهد.