تواصل الحكومة جهودها لإعادة تنظيم التشابكات المالية بين الجهات المختلفة، في خطوة تهدف إلى تعزيز كفاءة إدارة المال العام وتحسين السيولة داخل مؤسسات الدولة.
يرى خبراء اقتصاديون أن فك الارتباط لا يقتصر على معالجة المديونيات المتبادلة، بل يمثل إصلاحاً هيكلياً يدعم استلام المشروعات ويعزز ثقة المستثمرين، مما يمهد لمناخ اقتصادي أكثر استقراراً وانضباطاً في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور هاني أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي، أن تحرك الحكومة لمعالجة ملفات التشابكات المالية العالقة بين الأجهزة المختلفة يتجاوز الأرقام المحاسبية المجردة ليؤثر بشكل مباشر على حركة الاقتصاد الحقيقي. الاجتماع الأخير الذي ترأسه الدكتور مصطفى مدبولي يركز على الربط الحيوي بين هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة والبنك الأهلي المصري والجهات الحكومية بهدف تصفية المديونيات المتراكمة وفتح قنوات تمويلية تدعم التوسع العمراني المستدام دون تحميل الموازنة أعباء نقدية مباشرة.
كما أشار إلى أن حصيلة بعض هذه الإصدارات قد وُجهت لدعم مشروعات البنية التحتية وتطوير المدن الجديدة ومدن الجيل الرابع. لذا فإن تسوية التشابكات المالية والتنويع في مصادر التمويل يمكن أن يسهم في تحسين قدرة الهيئة على الوفاء بالتزاماتها ومواصلة مشروعاتها، مع بقاء الأثر الفعلي مرهوناً بطبيعة آليات التسوية وشروطها وتوقيت تنفيذها.
تسوية الدفاتر المالية: صمام أمان لمنع تعثر المشروعات
أوضح أبو الفتوح في تصريحات خاصة لـ “فيتو” أن تسوية التشابكات المالية إلى جانب تنويع أدوات التمويل يمكن أن يدعم استمرارية المشروعات العمرانية. ومع ذلك، يبقى الاختبار الحقيقي في مدى انعكاس الموارد المتاحة على تسريع وتيرة تنفيذ المشروعات بصورة مستدامة.
من جانبه، أكد الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أن ملف التشابكات المالية بين الجهات الحكومية يعد من أكثر الملفات تعقيداً في المنظومة المالية العامة. فهو يعكس شبكة من الالتزامات والديون والمستحقات المتبادلة التي تراكمت عبر سنوات بين وزارات الدولة والهيئات الاقتصادية وشركات القطاع العام والخزانة العامة.
على الرغم من أن هذه التشابكات لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة الدين العام بصورة مباشرة، إلا أنها تحد من كفاءة إدارة الموارد وتؤثر على شفافية الموازنة وتضعف قدرة العديد من الجهات على التخطيط والاستثمار. وأكد الإدريسي ضرورة الإسراع في تسوية وفض التشابكات المالية بين مختلف جهات الدولة كرسالة واضحة تفيد بأن الحكومة تسعى لاستكمال أحد أهم محاور الإصلاح المالي والإداري بما ينعكس إيجابياً على استدامة المالية العامة وتحسين الأداء الاقتصادي.
إدارة التشابكات المالية تعيد صياغة المشهد التنموي
أوضح الإدريسي أن التشابكات المالية تنشأ نتيجة تراكم مستحقات متبادلة بين جهات الدولة؛ فقد تكون إحدى الهيئات مدينة لوزارة المالية بينما لها مستحقات لدى جهة حكومية أخرى. وهذا يؤدي إلى تشابك الالتزامات وتعقيد حركة التدفقات القديمة. كما ساهمت سياسات دعم بعض الخدمات وتبادل التمويل بين الجهات الحكومية وتأخر تسوية الحسابات عبر سنوات طويلة في تضخم هذه التشابكات.
ولا يقتصر أثر هذه التشابكات فقط على الجوانب المحاسبية بل يمتد إلى الاقتصاد الكلي؛ إذ يؤدي وجود مديونيات متبادلة كبيرة إلى تشويه الصورة الحقيقية للمراكز المالية للجهات الحكومية ويحد من قدرة بعض المؤسسات على تنفيذ خططها الاستثمارية ويزيد من احتياجات التمويل ويؤثر في كفاءة إدارة السيولة داخل الدولة.
وأشار إلى أن تسوية هذه التشابكات تحقق العديد من المكاسب المهمة، منها رفع كفاءة الإنفاق العام وتحسين إدارة السيولة الحكومية وتخفيف الأعباء المالية عن بعض الجهات. كما تعزز الشفافية والإفصاح المالي مما يسهم في تحسين ثقة المستثمرين ومؤسسات التصنيف الائتماني في الاقتصاد المصري.
وأضاف الإدريسي أن الدولة قطعت شوطًا مهمًا خلال السنوات الماضية بتسوية جزء كبير من التشابكات مع الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي وإجراء تسويات مالية بين قطاعي الكهرباء والبترول، بالإضافة إلى عدد من عمليات المقاصة بين الجهات الحكومية المختلفة. ومع ذلك، فإن استمرار وجود بعض التشابكات يؤكد الحاجة إلى تسريع وتيرة التنفيذ واستكمال الإصلاحات المؤسسية اللازمة.
ويرى نجاح هذه الجهود مرهونًا بتوافر قاعدة بيانات مالية دقيقة ومحدثة وتطوير نظم المحاسبة الحكومية وتفعيل آليات المقاصة الإلكترونية مع وضع جدول زمني واضح لإنهاء الملفات المتبقية بما يضمن عدم تراكم تشابكات جديدة مستقبلاً.
أكد الإدريسي أن سعي الدولة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وخفض عجز الموازنة وتقليل أعباء الدين العام يجعل فض التشابكات المالية أكثر من مجرد إجراء محاسبي؛ إنه إصلاح هيكلي يعزز كفاءة إدارة المال العام ويدعم استقرار المالية العامة ويرفع قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو الاستثمار في التعليم والصحة والبنية الأساسية بما يخدم أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لذا فإن الإسراع في إنهاء هذا الملف يمثل استثمارًا في كفاءة مؤسسات الدولة ويعكس توجهًا نحو إدارة مالية أكثر انضباطًا وشفافية، وهو ما يعد أحد الركائز الأساسية لتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري وتحقيق التنمية المستدامة خلال السنوات المقبلة.
يسانده أيمن الزيات الخبير الاقتصادي الذي قال: إن قرار دولة رئيس الوزراء بالعمل على أهمية تسوية التشابكات والمنازعات المالية بين مؤسسات الدولة يعد خطوة إيجابية ومهمة ضمن تحسين كفاءة الإدارة المالية للدولة وتعزيز الانضباط المالي. مشيرًا إلى أن استمرار وجود مديونيات متبادلة بين الوزارات والمؤسسات وشركات الدولة العامة يؤدي إلى تشويه الصورة الحقيقية للمراكز المالية ويعوق سرعة اتخاذ القرارات الاقتصادية بالإضافة إلى أنه يحد من قدرتها على التخطيط واتخاذ القرارات الاستثمارية ويعطي صورة غير حقيقية للشركات.
كما أشار الزيات إلى أن الإسراع في تنفيذ هذه التوجهات والتسويات يعمل على تعزيز ثقة المستثمرين ومؤسسات التمويل المحلية والعالمية في الاقتصاد المصري ويساعد على الاستغلال الأمثل والكامل للأصول والموارد المالية، بالإضافة إلى أنه يقلل الأعباء المالية عن تراكم المديونيات بين الشركات.
ويرى الزيات أن هذا القرار يعمل على وضوح القوائم المالية للشركات التي قد يتم طرحها مستقبلاً ضمن برنامج الطروحات الحكومية مما يزيد من جاذبية برنامج الطروحات وجذب المزيد من الاستثمارات.

