في قراءات الكنيسة اليوم، الخميس 23 أبيب 1742 للشهداء، الموافق 30 يوليو 2026، تطرح الكنيسة سؤالًا يرافق الإنسان في كل زمان: ماذا يعني أن يكون الإنسان عظيمًا؟ في عالم يقيس النجاح بالمكانة والنفوذ وعدد الأتباع، تأتي قراءات اليوم لتقلب الموازين، وتعلن أن العظمة في فكر المسيح لا تبدأ من القمة، بل من القلب الذي يعرف كيف يخدم.
يبدأ إنجيل القداس بمشهد يحمل الكثير من الصراحة الإنسانية. يتقدم يعقوب ويوحنا إلى السيد المسيح طالبين أن يجلسا عن يمينه وعن يساره في مجده. لم يكن طلبهما غريبًا عن طبيعة البشر؛ فكل إنسان يتمنى التقدير والمكانة والتميز.
لكن المسيح لم يوبخهما على رغبتهما في العظمة، بل صحح مفهوم العظمة نفسه. لذلك جاءت كلماته الفاصلة: «من أراد أن يصير فيكم عظيمًا يكون لكم خادمًا… لأن ابن الإنسان أيضًا لم يأتِ ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين.».
إن أخطر ما يواجه الإنسان ليس الرغبة في النجاح، وإنما أن يظن أن النجاح يتحقق بالسيطرة على الآخرين. فالمسيح لم يلغِ الطموح، لكنه نقّاه من الأنانية. لقد نقل التلاميذ من التفكير في المقاعد إلى التفكير في الرسالة، ومن البحث عن المجد الشخصي إلى الاستعداد لبذل الذات. وهنا يظهر الفارق بين من يسعى إلى أن يكون كبيرًا في أعين الناس، ومن يسعى إلى أن يكون أمينًا في نظر الله.
تؤكد رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية هذا المعنى من زاوية أخرى. فمنذ افتتاح الرسالة يعلن أنه «رسول لا من الناس ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح»، ثم يضيف بوضوح: «أفأستعطف الآن الناس أم الله؟… فلو كنت بعد أرضي الناس، لم أكن عبدًا للمسيح.».
إنها رسالة لكل من يربط قيمته بقبول الآخرين أو تصفيقهم. فالخادم الحقيقي لا يصنع رسالته بحسب المزاج العام، بل بحسب الحق الذي ائتمنه الله عليه. لذلك لم تكن قوة بولس في أنه أرضى الجميع، بل في أنه ظل أمينًا للإنجيل مهما كان الثمن.
أما الكاثوليكون، فإنه ينتقل بنا إلى الجانب العملي من هذه الدعوة. فالرسول يعقوب لا يعد المؤمنين بحياة سهلة، بل يدعوهم إلى أن يحسبوا التجارب سببًا للفرح، لأن «امتحان إيمانكم ينشئ صبرًا». وهنا يكتمل المشهد؛ فالخدمة الحقيقية لا تُبنى على الموهبة وحدها، ولا على الحماس المؤقت، بل على شخصية صقلتها التجارب ونضجت بالصبر وتعلمت أن تطلب الحكمة من الله قبل أن تطلب النجاح من الناس.
ومن الجميل أن السنكسار في هذا اليوم يقدم لنا نماذج حية لهذا التعليم مثل القديس لونجينوس الذي انتقل من جندي شارك في صلب المسيح إلى شاهد له، والقديسة مارينا التي لم تبحث عن مجد أرضي بل ثبتت في الإيمان رغم قسوة العذابات. فالعظمة التي خلدها التاريخ لم تكن في سلطان امتلكوه بل في أمانة عاشوها حتى النهاية.
لعل أكثر ما يحتاجه عالمنا اليوم هو إعادة تعريف النجاح. فكم من إنسان وصل إلى مكانة عالية لكنه خسر نفسه في الطريق وكم من خادم مجهول لم يعرفه الناس لكنه ترك أثرًا لا يمحوه الزمن. إن المسيح لا يقيس الإنسان بما يجلس عليه بل بما يحمله في قلبه ولا بما يأخذه من الآخرين بل بما يقدمه لهم.
هكذا تقودنا قراءات الكنيسة لهذا اليوم إلى حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: العظمة ليست امتيازًا يُمنح بل خدمة تُعاش. وكلما انحنى الإنسان ليحمل تعب غيره بمحبة ارتفع في نظر الله حتى وإن لم يلتفت إليه العالم. فهناك مجد يصنعه الناس وسرعان ما يزول وهناك مجد يمنحه الله لمن اختار أن يكون خادمًا على مثال سيده وهذا هو المجد الذي يبقى.

