السؤال المطروح هنا يلامس جانبًا مهمًا في الطب النفسي الجنائي، لكنه يتطلب قدرًا من التحفظ العلمي. إذ لا يمكن الجزم بأن سبب الجريمة هو مرض نفسي أو صدمة أو اضطراب معين دون فحص مباشر واطلاع شامل على ملفها النفسي والطب الشرعي. ومع ذلك، يمكن تناول القضية من منظور علم النفس بصورة عامة دون التعرض لأشخاص بعينهم.
عندما يتحول الإحباط إلى عنف
يعرف علم النفس ما يُسمى بـ متصل الإحباط – الغضب – العدوان (Frustration-Anger-Aggression Continuum). فعندما يتعرض الإنسان لسلسلة طويلة من الإحباطات والخسائر دون أن يجد متنفسًا صحيًا لها، تتراكم داخله مشاعر الظلم والقهر والإهانة والفشل واليأس.
في أغلب الأحيان، تتحول هذه الطاقة إلى اكتئاب أو انسحاب أو أمراض نفسجسمية. بينما عند قلة من الناس، خاصة إذا اجتمعت عوامل شخصية وعصبية واجتماعية، قد تتحول إلى انفجار عدواني شديد. لكن من المهم التأكيد أن معظم الأشخاص الذين يمرون بصدمات شديدة لا يرتكبون جرائم قتل، لذلك فإن الصدمات وحدها لا تفسر الجريمة.
هل يمكن أن تكون الصدمات المتعددة قد دفعتها إلى الحافة؟
إذا صحت الروايات المتداولة حول طلاقين متتاليين، الحرمان من رؤية الأبناء، وفاة ابنتها بخطأ طبي وعجزها عن أخذ حقها، الشعور بعدم العدالة، والصراع المزمن مع والدتها، بالإضافة إلى محاولات انتحار سابقة، فإن هذه كلها تمثل ما يسميه علماء النفس الضغط التراكمي (Cumulative Stress).
يمكن للإنسان أن يحتمل أزمة واحدة أو ربما اثنتين، لكن تتابع الصدمات عبر سنوات يستهلك قدرته على التكيف حتى يصبح أقل قدرة على ضبط الانفعالات. ومع ذلك، فإن وجود هذه العوامل لا يجعل ارتكاب الجريمة نتيجة حتمية.
لماذا يكون الأقربون هم الضحية؟
كثير من جرائم القتل الأسرية لا تكون بسبب الحدث الأخير وحده؛ فالحدث الأخير قد يكون مجرد الشرارة التي أشعلت وقودًا تراكم عبر سنوات. ولهذا يقال في الطب النفسي: “آخر كلمة ليست سبب الجريمة، وإنما آخر قطرة أفاضت الكأس”. فإذا كانت العلاقة بين الأم والابنة اتسمت بالنقد المستمر أو التحقير أو استدعاء إخفاقات الماضي، فقد يمثل ذلك الضاغط الأخير فوق جبل من المعاناة النفسية.
ماذا تعني محاولات الانتحار السابقة؟
إذا ثبت وجود محاولات انتحار سابقة، فإنها قد تشير إلى عدة أمور مثل الاكتئاب الشديد أو اضطراب في تنظيم الانفعالات أو شعور مزمن باليأس أو هشاشة في القدرة على تحمل الضغوط. ولا تعني بالضرورة وجود مرض ذهاني أو فقدان للعقل.
بل إن بعض الأشخاص قد يظهرون أمام الناس ناجحين ولامعين بينما يعيشون داخليًا ألمًا نفسيًا عميقًا؛ وهو ما يسمى أحيانًا: الناجح خارجيًا والمنهار داخليًا (The Successful but Suffering Person).
لكنها محامية… ألم تكن تعلم أن الجريمة ستنكشف؟
هذا سؤال مهم؛ فالعنف الشديد قد يغير طريقة عمل الدماغ مؤقتًا. عند الوصول إلى حالة الغضب الجامح (Rage State)، ينخفض تأثير القشرة الأمامية للمخ المسؤولة عن التخطيط والحسابات وتقدير العواقب. بينما يهيمن الجهاز الانفعالي وخاصة اللوزة الدماغية (Amygdala).
وفي تلك اللحظة يصبح الهدف النفسي هو إنهاء مصدر الألم وليس التفكير في العقوبة أو اكتشاف الجريمة. ولهذا نجد أحيانًا أشخاصاً متعلمين جدًا يرتكبون جرائم تبدو غير منطقية.
وما تفسير تقطيع الجثث السائد في جرائم عديدة؟
ينبغي الحذر من التعميم؛ لأن تقطيع الجثة لا يعني دائمًا اضطرابًا نفسيًا. فقد يحدث لأسباب مختلفة مثل محاولة إخفاء الجريمة أو تسهيل نقل الجثة أو التخلص من الأدلة. وفي بعض الحالات النادرة، قد يكون نتيجة غضب بالغ ورغبة في محو الضحية أو تشويهها؛ وهو ما يصفه بعض علماء النفس بأنه استمرار للعدوان بعد الوفاة. ولا يمكن الجزم بأي دافع في قضية معينة دون أدلة الطب الشرعي والتحقيقات.
هل زادت هذه الجرائم في مصر؟
قد يبدو ذلك بسبب التغطية الإعلامية الواسعة ووسائل التواصل الاجتماعي. لكن من الناحية النفسية، فإن المجتمعات التي تعاني من ضغوط اقتصادية وفقدان الأمل والتفكك الأسري والعزلة الاجتماعية وانتشار تعاطي المخدرات في بعض الفئات وضعف خدمات الصحة النفسية قد تشهد زيادة في السلوكيات العنيفة حتى وإن كانت هذه العوامل لا تؤدي وحدها إلى الجرائم.
هل الجريمة إزاحة لعنف تراكم عبر السنين؟
هذا تفسير له أساس في علم النفس ويُعرف بآلية الإزاحة (Displacement). حيث قد يُوجَّه الغضب المكبوت نحو شخص قريب أو متاح بدلًا من مصدره الأصلي. لكن في جرائم القتل الأسرية غالباً ما تكون الضحية جزءاً من شبكة الصراع المزمن بحيث يمتزج الغضب القديم بالحدث الراهن ليحدث الانفجار.
خلاصة نفسية
يمكن النظر إلى مثل هذه الجرائم باعتبارها نتاج تفاعل معقد بين استعدادات شخصية أو اضطرابات نفسية محتملة وتاريخ طويل من الصدمات والإحباطات وضغوط اجتماعية وأسرية مزمنة وضعف مهارات تنظيم الانفعال ثم حدث أخير فجّر الغضب المتراكم.
لكن يبقى من الضروري التأكيد على أن هذا إطار تفسيري عام وليس حكمًا على قضية معينة أو على المتهمة؛ لأن تحديد الدوافع والمسؤولية النفسية والجنائية يتطلب تقييمًا إكلينيكيًّا وقضائيًّا متخصصًّا.
ومن منظور مجتمعي، فإن هذه الحوادث تذكرنا بأهمية عدم الاكتفاء بالنظر إلى النجاح المهني أو المكانة الاجتماعية بوصفهما دليلين على الصحة النفسية؛ فخلف المظاهر قد تختبئ معاناة عميقة. كما تؤكد أهمية التدخل المبكر عند ظهور مؤشرات مثل محاولات الانتحار والاكتئاب المزمن والعلاقات الأسرية شديدة الصراع لأنها قد تكون إنذاراً يستدعي العلاج والدعم قبل أن تصل الأزمة إلى نقطة اللاعودة.

