تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديسة مارينا الناسكة، التي ارتبطت سيرتها بقصة طويلة من النسك والصبر والثبات على الإيمان، لتصبح مثالاً للتوبة والجهاد الروحي كما تروي سيرتها الكنسية.
تدور السيرة حول أن القديسة مارينا كانت تُعرف في طفولتها باسم «مريم»، وهي ابنة رجل مسيحي ثري. فقدت والدتها في سن مبكرة، فتولى والدها تربيتها ورعايتها.
عندما قرر والدها تزويجها واعتزامه الذهاب إلى أحد الأديرة، رفضت فكرة الزواج وأبدت رغبتها في تكريس حياتها للعبادة. طلبت منه أن يسمح لها بارتداء زي الرجال لترافقه إلى الدير.
استجاب والدها لرغبتها، فحلقت شعرها وارتدت زي الرجال، وغير اسمها من «مريم» إلى «مارينا». كما وزع جزءًا كبيرًا من ثروته على الفقراء قبل أن يتوجه مع ابنته إلى أحد الأديرة حيث عاشا معًا حياة نسك وعبادة لنحو عشر سنوات.
بعد وفاة والدها، استمرت مارينا في حياتها داخل الدير، مضاعفةً من صلواتها وصياماتها وأعمال نسكها، بينما ظلت الرهبان يعتقدون أنها رجل ولم يعرف أحد حقيقتها.
تشير السيرة إلى أنه خلال إحدى الرحلات التي أرسلها فيها رئيس الدير مع عدد من الرهبان لقضاء بعض احتياجات الدير، أقاموا في أحد الفنادق حيث وقعت حادثة غيرت مجرى حياتها.
بحسب الرواية الكنسية، اعتدى أحد جنود الملك على ابنة صاحب الفندق وأوحت إليها بأن تنسب ما حدث إلى «مارينا» الراهب الشاب. وعندما ظهرت عليها علامات الحمل وسألها والدها عن المتسبب، ذكرت اسم مارينا.
بلغ الخبر والد الفتاة الذي توجه غاضبًا إلى الدير ليواجه الرهبان ويُتهمهم. تدخل رئيس الدير لتهدئة الموقف واستدعى مارينا ليواجهها بما نُسب إليها.
لم تكشف مارينا عن حقيقتها بل تحملت الاتهام وقالت لرئيس الدير إنها أخطأت وطلبت منه المغفرة مما دفعه لطردها من الدير.
عاشت القديسة فترة طويلة خارج الدير لكنها ظلت متمسكة بحياتها النسكية رغم ما تعرضت له من اتهامات وطرد.
بعد ولادة الطفل، حمله والد الفتاة إلى مارينا وتركه أمامها لتقوم برعايته وكانت تنتقل به بين الرعاة وتسقيه اللبن كما تروي سيرتها.
استمرت مارينا في الصوم والصلاة لمدة ثلاث سنوات خارج الدير حتى طلب الرهبان من رئيس الدير السماح لها بالعودة فوافق على طلبهم لكنها عادت وفق شروط صارمة وتولت أعمالًا شاقة مثل الطهي والتنظيف وحمل المياه إضافةً إلى واجباتها النسكية.
ومع مرور السنوات كبر الطفل وترهب بينما استمرت مارينا في حياتها بالصلاة والنسك حتى أكملت أربعين عامًا ثم مرضت لمدة ثلاثة أيام وتنيحت.
أمر رئيس الدير بتجهيز جثمانها للدفن وعندما نُزعت عنها ملابسها اكتشف الرهبان أنها امرأة وليست رجلًا مما شكل مفاجأة كشفت حقيقة حياتها التي ظلت مخفية لسنوات طويلة.
شعر رئيس الدير بالحزن والندم بعدما عرف حقيقة مارينا واستُدعي صاحب الفندق ليُبلغ بحقيقة الراهب الذي اتُهم ظلمًا فتوجه إلى جثمانها وبكى نادمًا.
بعد الصلاة عليها تقدم عدد من الرهبان للتبرك من جسدها وتذكر السيرة أن راهبًا كان يعاني من عيب في إحدى عينيه وضع وجهه عليها فأبصر.
بعد دفن القديسة مارينا تروي سيرتها أن ابنة صاحب الفندق والجندي الذين ارتبط اسماهما بالواقعة اعترفا أمام الجميع بما حدث وببراءة القديسة مما تحملته طوال سنوات.
تبقى سيرة القديسة مارينا في الذاكرة الكنسية قصة عن الصبر والنسك واحتمال الظلم والثبات على الإيمان بعدما اختارت أن تتحمل الاتهام دون أن تكشف حقيقتها واستمرت في حياة العبادة حتى نهاية عمرها.

