اليوم الجمعة، فتح البحر المتوسط أبوابه لاستقبال واحدة من أبرز التجمعات الرياضية في التاريخ، حيث تتلاقى الأبطال والميداليات.
في تارانتو، اجتمعت 26 دولة، ووقف نحو 3,854 رياضيًا على خط البداية. لكن القيمة الحقيقية لهذا المشهد لا تكمن في عدد المشاركين فحسب، بل فيما تحمله هذه الدول خلف أعلامها من تاريخ أولمبي وعالمي.
إنها بطولة تتيح لك أن تنظر إلى العلم، فتكتشف وراءه مدرسة رياضية كاملة.
إيطاليا، الدولة المضيفة، تدخل تارانتو وهي تتصدر قائمة الدول في تاريخ ألعاب البحر المتوسط، حيث تملك 843 ميدالية أولمبية، منها 286 ذهبية. إنها ليست مجرد مستضيفة للبطولة، بل تأتي ومعها واحدة من أعظم خزائن المجد الرياضي في العالم.
ثم تأتي فرنسا، إحدى القوى الكبرى في الرياضة العالمية، برصيد أولمبي هائل يبلغ 998 ميدالية، بينها 297 ذهبية.
هنا تصبح المنافسة مختلفة.
عندما يواجه بطل مصري منافسًا فرنسيًا، فإنه لا يتحدى لاعبًا فحسب.
إنه يواجه مدرسة صنعت 998 ميدالية أولمبية.
تدخل إسبانيا برصيد 170 ميدالية أولمبية، بينها 49 ذهبية. بينما تحمل تركيا 111 ميدالية منها 41 ذهبية. وتملك اليونان 130 ميدالية بينها 37 ذهبية.
ثلاث دول تمثل ثلاث مدارس وثلاثة أنواع مختلفة من العظمة.
إسبانيا تتميز بالموهبة والتنوع.
تركيا تبرز بقوتها ورياضاتها القتالية.
واليونان تحمل ذاكرة الأولمبياد نفسه.
تظهر كرواتيا وسلوفينيا برصيد 59 ميدالية أولمبية لكل منهما. دولتان صغيرتان نسبيًا في المساحة، لكنهما تقدمان درسًا عالميًا:.
العظمة الرياضية لا تُقاس بعدد السكان.. وإنما بعدد الأبطال الذين تستطيع الدولة إنتاجهم.
تكمل صربيا بـ29 ميدالية، والبرتغال بـ32 ميدالية، والمغرب بـ26 ميدالية، والجزائر بـ20 ميدالية وتونس بـ18 ميدالية أولمبية. كل دولة تحمل مدرسة خاصة بها صنعت أبطالًا في ألعاب القوى والسباحة والملاكمة والجودو والرياضات الجماعية وغيرها.
وفي قلب هذا المشهد تقف مصر برصيد 39 ميدالية أولمبية: 9 ذهبيات و11 فضية و19 برونزية. لكن مصر تحمل رقمًا لا تستطيع أي إحصائية للميداليات أن تختصره.
فمصر هي بداية الحكاية؛ إذ استضافت الإسكندرية النسخة الأولى من ألعاب البحر المتوسط عام 1951. واليوم، بعد مرور 75 عامًا، تعود مصر لتكون في قلب الحدث في تارانتو.
من الإسكندرية بدأت الفكرة.. وفي إيطاليا يُكتب فصل جديد على يد جيل جديد.
وهنا تصبح قيمة الدورة أكبر من مجرد منافسة على الذهب؛ فالمصري الذي يواجه الإيطالي لا يتحدى لاعبًا فحسب.. بل يواجه دولة تملك 843 ميدالية أولمبية.
والذي يواجه الفرنسي يصطدم بتاريخ يضم 998 ميدالية. والذي يقف أمام التركي أو الإسباني أو اليوناني يعرف أنه أمام دول لم تصل إلى منصات التتويج بالمصادفة.
هذه هي روعة ألعاب البحر الأبيض المتوسط:.
فالميدالية لا تُقاس بوزنها فقط.. وإنما بوزن المنافس الذي هزمته للحصول عليها.
والأجمل أن تارانتو لا تستعيد الماضي فحسب؛ بل تفتح الباب للمستقبل؛ فالدورة تضم 33 تخصصًا رياضيًا وتظهر فيها رياضات جديدة مثل البادل للمرة الأولى كرياضة ميداليات.
إنها بطولة تجمع بين تاريخ الأولمبياد وطموح الجيل الجديد. أوروبا وأفريقيا تتلاقيان؛ الكبار يواجهون الصاعدين؛ والدول ذات الآلاف من الحكايات تدخل اختبارًا جديدًا أمام دول تبحث عن أول حكاية كبرى.
اليوم تُرفع الأعلام؛ وخلف كل علم تاريخ؛ وخلف كل بطل آلاف الساعات من التدريب؛ وخلف كل ميدالية دولة تحلم بأن تسمع نشيدها فوق منصة التتويج.
26 دولة.. و3,854 رياضيًا.. ومئات الميداليات الأولمبية.. و75 عامًا من تاريخ ألعاب البحر الأبيض المتوسط. من الإسكندرية بدأت الحكاية.. وفي تارانتو يسعى العظماء لتحقيق مجد جديد. اليوم لا يتنافس الأبطال على الذهب فقط.. بل يتنافس التاريخ مع التاريخ والعظمة مع العظمة على شاطئ المتوسط.

