تحولت مدينة سبتة الإسبانية إلى بؤرة أزمة هجرة غير مسبوقة، بعدما شهدت تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين خلال ساعات قليلة، في مشهد أعاد إلى الواجهة هشاشة الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، وأثار مخاوف من تداعيات أمنية وإنسانية وسياسية تتجاوز العلاقات بين مدريد والرباط.
بينما سارعت إسبانيا إلى تشديد إجراءاتها الأمنية وإعادة المهاجرين غير النظاميين، امتدت الأزمة إلى داخل الاتحاد الأوروبي، مع تصاعد التوتر الدبلوماسي بين مدريد وروما، ما ينذر بتحول أزمة سبتة إلى اختبار جديد لوحدة أوروبا في مواجهة ملف الهجرة.
كشفت وزارة الداخلية الإسبانية، اليوم الجمعة، أن نحو 50 ألف مهاجر عبروا إلى سبتة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، بعدما تدفقوا بحرا وبرا من المغرب.
استمر تدفق المهاجرين خلال الليل حتى صباح الجمعة، وكانت الغالبية العظمى من العابرين من فئة الشباب والمراهقين، بينما لقي 18 منهم حتفهم غرقا أثناء محاولتهم عبور الحدود بحرا، بحسب وكالة “فرانس برس”.
أمس الخميس، كشفت تقارير إعلامية أن السلطات الإسبانية قررت الشروع بشكل فوري ومباشر في إعادة كافة المهاجرين غير النظاميين الذين نفذوا عمليات اختراق بحري للمياه المحيطة بمدينة سبتة إلى المغرب.
تشير التقارير إلى أن هذه الخطوة الحازمة تأتي في إطار التعاون الأمني والميداني الوثيق بين المغرب وإسبانيا لمواجهة محاولات الهجرة غير النظامية، حيث ستتم عملية إعادة المهاجرين بتنسيق كامل ومباشر مع السلطات المغربية المختصة بهدف ضبط الحدود البحرية والحد من تدفقات الهجرة غير المشروعة.
لماذا كثفت شبكات التهريب عمليات العبور؟
بعد تدفق الآلاف من المهاجرين بينهم نسب كبيرة من القاصرين، قررت السلطات الإسبانية نشر وحدات من الجيش لدعم قوات الحرس المدني والشرطة التي استنزفت قدراتها الميدانية. فيما طالب رئيس الحكومة المحلية في سبتة، خوان خيسوس فيفاس، الحكومة المركزية في مدريد بإعلان “حالة طوارئ وطنية”.
تشير السلطات الإسبانية إلى أن هذه التدفقات الاستثنائية ترجع بشكل مباشر إلى استغلال شبكات التهريب لحكم حديث أصدرته المحكمة العليا الإسبانية يمنع تطبيق “الترحيل الفوري” على المهاجرين القادمين سباحة ويحصر هذا الإجراء السريع في مقتحمي السياجات البرية.
وبحسب وزير الداخلية الإسبانية فرناندو جراندي-مارلاسكا، فإن شبكات الاتجار بالبشر تستغل هذا الحكم القضائي لتشجيع تدفق المهاجرين غير الشرعيين ومعظمهم من الشباب.
هل يكفي التنسيق المغربي الإسباني لاحتواء الأزمة؟
تجاوزت الأزمة الحدود الثنائية الإسبانية-المغربية لتلقي بظلالها على حرية التنقل القارية. حيث أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن حكومتها تدرس تعليق العمل باتفاقية “شنجن” مع إسبانيا.
ووصفت الحكومة الإيطالية هذه الخطوة التصعيدية بأنها “إجراء احترازي وأمني ضروري” يهدف لمنع انتقال تدفقات المهاجرين غير النظاميين بشكل غير مباشر من الأراضي الإسبانية إلى إيطاليا.
لماذا تلوح إيطاليا بتعليق اتفاقية شنجن مع إسبانيا؟
قالت ميلوني في تغريدة على منصة “إكس”: إن الصور الواردة من سبتة صادمة وتظهر مجددا أن الهجرة غير الشرعية غير المنضبطة تشكل تهديدا حقيقيا لأمن الحدود الأوروبية.
وأضافت أنها تحدثت مع وزير الداخلية الإيطالي؛ ولن تقف إيطاليا مكتوفة الأيدي. نحن على استعداد للتدخل بتدابير استثنائية لحماية حدودنا وسلامة مواطنينا مثل تعليق اتفاقية شنجن مع إسبانيا.
وفي المقابل أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني دعمه لإغلاق منطقة شنجن أمام إسبانيا. وقال تاجاني إن الصور الواردة من سبتة تظهر كيف أن قرار حكومة مدريد بمنح الجنسية الإسبانية وبالتالي الأوروبية لأكثر من 500 ألف مهاجر غير نظامي هو قرار معيب للغاية ويشجع على الاتجار بالبشر.
إلى أين تتجه أزمة الهجرة غير النظامية؟
وعلى إثر ذلك استدعى وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس السفير الإيطالي في مدريد لتقديم مذكرة احتجاج رسمي. وطالب وزير الخارجية الإسباني روما بتقديم إيضاحات معتبرًا أن التصريحات الإيطالية غير مبررة وتفتقر لروح التضامن الأوروبي المنصوص عليه في معاهدات التكتل.
وقال ألباريس في تغريدة على “أكس” ردا على تعليق وزير الخارجية الإيطالي إن هذا خطاب لا يليق بدولة شريكة وصديقة ونتوقع منها تضامنا أوروبيا لا خطابا شعبويا متحيزا.

