في الوقت الذي تتزايد فيه بلاغات ظهور الثعابين داخل القرى والمناطق الزراعية خلال صيف 2026، يلفت خبراء الحياة البرية الانتباه إلى عامل آخر لا يقل أهمية عن ارتفاع درجات الحرارة، وهو تراجع أعداد المفترسات الطبيعية التي كانت تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الثعابين داخل البيئات الزراعية والصحراوية.
ويرى متخصصون أن اختفاء النمس من بعض المناطق الزراعية، إلى جانب تراجع أعداد بعض الطيور الجارحة والثعالب نتيجة تغير استخدامات الأراضي والضغوط البيئية، أدى إلى خلل في التوازن الطبيعي، ما منح الثعابين فرصة أكبر للانتشار والاقتراب من التجمعات السكنية.
نقيب الفلاحين: النمس كان “العسكري المجهول” في الحقول
وقال حسين عبد الرحمن أبو صدام، نقيب الفلاحين: إن المزارعين لاحظوا خلال السنوات الأخيرة زيادة ظهور الثعابين داخل الزراعات الصيفية، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة، موضحًا أن النمس والقطط البرية والثعالب والبوم والصقور كانت تمثل مفترسات طبيعية تحد من انتشارها.
وأضاف أن أعمال تبطين الترع، وإزالة الحشائش، والتغيرات البيئية دفعت الثعابين إلى الاختباء داخل المحاصيل الزراعية، بينما أدى تراجع وجود هذه المفترسات إلى اختلال التوازن البيئي في بعض المناطق، مطالبًا بتكثيف حملات المكافحة والتوعية لحماية المزارعين.
أستاذ السموم: الثعبان لا يهاجم الإنسان.. لكنه يبحث عن الطعام
ومن جانبها، قالت الدكتورة مها غانم، أستاذ الطب الشرعي والسموم الإكلينيكية بجامعة الإسكندرية: إن الثعابين لا تغادر جحورها بحثًا عن الإنسان، وإنما تتحرك بحثًا عن الغذاء أو نتيجة تغير الظروف البيئية.
وأوضحت أن زيادة أعداد القوارض خلال فصل الصيف تمثل عامل جذب رئيسي للثعابين، كما أن التوسع العمراني في الأراضي الزراعية والصحراوية قلّص موائلها الطبيعية، ما أدى إلى تزايد فرص الاحتكاك بالبشر. وأكدت أن ظهور الثعابين في محافظات مختلفة لا يعني أنها ظهرت حديثًا، وإنما أصبحت أكثر مشاهدة بسبب تغير البيئة المحيطة.
النمس.. لماذا يخشاه الثعبان؟
ويؤكد باحثون في علم الحيوان أن النمس يعد من أشهر الأعداء الطبيعيين للثعابين. يتمتع بسرعة كبيرة ورد فعل يجعله قادرًا على مراوغة اللدغات والانقضاض على رأس الثعبان. كما أن تركيب مستقبلات الأعصاب لديه يمنحه قدرة على تحمل بعض السموم مقارنة بغيره من الثدييات. تشير الدراسات إلى أن النمس المصري يفترس القوارض والزواحف بما فيها بعض الثعابين السامة، مما يجعله عنصرًا مهمًا في حفظ التوازن البيئي.
ولا يقتصر الأمر على النمس؛ إذ تلعب بعض الطيور الجارحة مثل الصقور والبوم دورًا في افتراس الثعابين الصغيرة. قد تهاجم الكلاب الريفية الثعابين إذا صادفتها داخل الحقول أو محيط المنازل لكنها ليست مفترسًا متخصصًا وقد تتعرض هي نفسها للدغ أثناء المواجهة.
البيئة هي كلمة السر في قصة الثعابين
ويحذر متخصصون من أن التعامل مع الثعابين باعتبارها “آفة” يجب التخلص منها بالكامل قد يأتي بنتائج عكسية لأنها تؤدي دورًا مهمًا في السيطرة على أعداد الفئران والقوارض التي تهاجم المحاصيل وتنقل الأمراض.
ويؤكد الخبراء أن الحفاظ على التوازن البيئي وتقليل تراكم المخلفات والحد من انتشار القوارض يمثل وسائل أكثر فاعلية على المدى الطويل من الاعتماد على حملات القضاء على الثعابين وحدها.

