في اللحظة التي يواجه فيها المقاتل عدوه، تتلاشى المسافة بين الذات البشرية والذات الوطنية، ليصبح الفارق شبه معدوم. في تلك اللحظات، يتبدد النفاق ويواجه الإنسان مصيرًا لا يحتمل إلا الصدق، حيث يظهر المعدن الإنساني على حقيقته، مستمدًا واقعه من البيئة التي تربى فيها.

تناولنا في مقالنا السابق مسيرة الدكتور حسن القلا، أحد أبرز الشخصيات في مجالي الصحة والتعليم بمصر، والذي يمتلك تجربة فريدة تمثل قلعة تعليمية انطلقت من سلسلة مدارس دولية وصولًا إلى جامعة بدر التي انتشرت بفروعها إلى قلب الصعيد.

الإنسان ابن بيئته، والدكتور حسن القلا عاش حياة ريفية عميقة الجذور في قلب الدلتا. عايش تجربة مفعمة بالتضحية والفداء، حيث كان أبًا يسعى ليل نهار من أجل تعليم أولاده عبر زراعة الأرض التي يمتلكها، ليبني جيلًا مشبعًا بالقناعة والرضا.

وقبيل تخرجه في كلية الضباط المتخصصين بخمسة عشر يومًا، وجد نفسه واحدًا ممن اختارهم القدر ليكونوا جزءًا من الانتصار العربي التاريخي الوحيد. أصبح القلا طبيبًا مقاتلًا بعلمه وأدويته وخبراته في علاج المجروحين والمتألمين خلال فترة الهزيمة النكراء في يونيو 1967.

في مشهد لا يمكن تصنيعه، تسقط قذيفة محملة بحقد العدو بالقرب منه. يسقط الضابط الطبيب في حفرة عميقة ويخرج ودماء تسيل من ظهره. يسأل الجندي رجب المرافق له عن السبب، ليعترف الجندي بأنه أراد حمايته فألقى بنفسه عليه ولم يقصد أن يصيبه “بسمكي” بندقيته!

يسأل القلا: لماذا يا رجب تلقيت بنفسك على ضابط يزاملك في المعركة؟ ولماذا لم تسعَ لحماية نفسك قبل التفكير في حماية الضابط؟ يأتي الرد المزلزل: أردت حمايتك لأنك تعاملنا بكرامة، وبقائك خير من بقائي؛ فأنت تعالج الجرحى وأنا مجرد جندي عادي!

في تلك اللحظة التي كان فيها الموت ينسج خيوطه حول القلا وزميله رجب، يفضل رجب إنقاذ الضابط الذي يعاملهم بكرامة. إنه الدرس الذي ظل عالقًا في قلب ووجدان حسن القلا منذ أيام الحرب وحتى اليوم. أي حضارة تلك التي ورثها رجب عن رمسيس وأحمس وكل فراعنة البناء والفداء والقدرة؟

تنتهي الحرب بانتصار لا يزال يبوح بأسرار عظيمة. يعود الطبيب إلى عالمه وإلى معمله وغرف العمليات، بينما يعود رجب إلى أرض طيبة يزرعها بالأمل ويعمرها بالعمل. كل لحظة يزرع فيها نبتة ليست مجرد غذاء للناس، بل روح ووجدان ورمز لا يفهمه إلا من عاش فوق “التبة” وتحت القصف!