تحل اليوم ذكرى رحيل أحد أبرز العقول الفلسفية في العصر الحديث؛ ففي مثل هذا اليوم 29 يوليو من عام 1979، غيّب الموت الفيلسوف والسوسيولوجي الألماني-الأمريكي هربرت ماركوزه عن عمر ناهز 81 عامًا، بعد حياة حافلة بالجدل ترك خلالها أثرًا عميقًا في الفكر الإنساني والحركات الاحتجاجية عبر العالم.

ماركوزه: من مدرسة فرانكفورت إلى نقد المجتمعات الحديثة

ولد ماركوزه في برلين عام 1898 لأسرة يهودية ميسورة الحال، ودرس الفلسفة في جامعتي برلين وفرايبورغ تحت إشراف أعلام الفكر الألماني مثل مارتن هايدغر. وتجلت هويته الفكرية بانضمامه إلى معهد البحوث الاجتماعية المعروف بمدرسة فرانكفورت، حيث ساهم مع زملائه ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو في صياغة النظرية النقدية التي هدفت إلى إعادة قراءة الماركسية وتحليل ظواهر الهيمنة في المجتمعات الحديثة. ومع صعود النيولبرالية والتوتاليتارية النازية في ألمانيا خلال الثلاثينيات، هاجر ماركوزه إلى الولايات المتحدة واستقر هناك حاملًا جنسيتها.

تشريح الإنسان ذو البعد الواحد

خاض ماركوزه مشروعه الفكري عبر تفكيك أشكال السيطرة الناعمة في المجتمعات الصناعية المتقدمة. وفي كتابه الأبرز “الإنسان ذو البعد الواحد”، قدم نقدًا لاذعًا للمجتمعات الرأسمالية والصناعية؛ حيث رأى أن التقدم التكنولوجي والاستهلاكي لم يحرر الإنسان بل دجج العقل البشري وخلق حاجيات زائفة امتصت روح الغضب والتغيير، مما حول الفرد إلى كائن استهلاكي مسلوب الإرادة يخدم المنظومة القائمة دون وعي.

ولم تقف أفكار ماركوزه عند حدود الأكاديميا؛ بل أصبحت الوقود الفكري لثورة الطلاب واليسار الجديد في ستينيات القرن الماضي، وتحديدًا خلال انتفاضة مايو 1968 في فرنسا والاحتجاجات المناهضة لحرب فيتنام في أمريكا. اعتبره الشباب الثائر الأب الروحي لليسار الجديد نظرًا لطرحه فكرة أن التغيير لم يعد يأتي من الطبقة العاملة التقليدية التي جرى استيعابها داخل المنظومة، بل من الفئات المهمشة والطلاب والأقليات والنساء الذين لم تتلوث تطلعاتهم بالاستهلاك.

جمع ماركوزه بين التحليل الماركسي للطبقات والتحليل النفسي لدى سيغموند فرويد، كما تجسد ذلك في كتابه الشهير “إيروس والحضارة”، حيث حاول إثبات أن القمع الاجتماعي ليس قدرًا محتومًا وأن بالإمكان بناء مجتمع تحرري يسود فيه الإبداع والسلام. وفي أواخر حياته، عاد إلى ألمانيا لإلقاء محاضرات بدعوة من أكاديميات فكرية، وأثناء زيارته لمدينة بون تعرض لسكتة دماغية توفي على إثرها في 29 يوليو 1979.

وتظل ذكرى رحيل هربرت ماركوزه محطة استثنائية لاستعادة طروحات أحد أشد العقول نقدًا لسطوة التكنولوجيا والاستهلاك، وشهادة على فيلسوف استطاع تحويل النظرية الفلسفية المعقدة إلى شرارة احتجاج هزت عواصم العالم.