تحولت نتيجة الثانوية العامة إلى ما يشبه “سر حربي” تتهيبه وزارة التربية والتعليم، وكأنها أمام حصن منيع تخشى اقتحامه، وليس مجرد نتيجة لامتحانات أنهكت عقول الطلاب والطالبات بسبب المناهج والتخبط الحكومي.
ما الذي تفعله وزارة التربية والتعليم بعقول وأرواح الطلاب؟ وما سر الصمت المطبق الذي تفرضه على ملايين الأسر المصرية، وكأن إعلان النتيجة وترتيب الأوائل بات جريمة قومية أو ملفًا يُحفظ في غياهب الخزائن السرية؟
عندما تُدار العملية التعليمية بمنطق السرية، يتحرك المسؤولون خلف الأسوار الخرسانية للوزارة، ويجيدون فنون الصمت، بينما تشتعل الأسئلة في الشارع: أين الشفافية؟ ولماذا يصبح إعلان الموعد الرسمي حقلًا للتكهنات والاجتهادات الرخيصة؟
يتذرعون أحيانًا بتدقيق البيانات وأخطاء الطلاب في تسجيل أرقام الجلوس، وأحيانًا أخرى باستخراج إحصائيات النجاح، وكأن أجيالًا كاملة لم تمتحن. وكأن التكنولوجيا التي تصل إلى أقصى نقطة على الأرض تعجز عن إحصاء أرقام طلابنا إلا بعد أن تبلغ القلوب الحناجر!
إنها البيروقراطية البليدة التي تجيد صناعة الأزمات من لا شيء، حيث تتحول الأجهزة الرسمية إلى ثقوب سوداء تمتص طاقة المجتمع وتتركه فريسة لشائعات السوشيال ميديا وسموم التكهنات.
الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في تأخر الموعد أو تلكؤ الإدارة، بل في فلسفة التعامل مع المواطن. الشارع المصري لا يطلب مستحيلًا؛ إنه يطلب كلمة صدق، ومعلومة واضحة، وموعدًا دقيقًا ينهي حالة الاستنزاف العصبي والنفسي التي تضرب البيوت المصرية كل صيف.
لكن الوزارة المعنية بالبناء والعلم والتنوير تبدو في كثير من الأحيان كأنها تعيش في برج عاجي، تنظر إلى الملايين من علٍ وتتعامل مع حقوق الطلاب بمنطق المنة والتفضل. أين المسؤول في وزارة التعليم الذي يمتلك شجاعة المكاشفة؟ أين الرجل الذي يقف على صهوة الحقيقة ليخبر الناس: الأمر كذا والموعد هكذا.. بلا لف ولا دوران وبلا لغة خشبية لا تسمن ولا تغني من جوع؟
المأساة تكمن في: متى ينتهي العبث؟ إن الثانوية العامة في مصر ليست مجرد مرحلة تعليمية؛ بل هي عقد اجتماعي غير مكتوب بين الدولة والمواطن يقوم على العدل والوضوح والتقدير. وعندما يتحول هذا العقد إلى “سر حربي” محاط بالألغام والأقفال، فإن الأزمة تتجاوز أسوار المدارس لتلامس عمق الثقة بين الشارع وأجهزة الدولة ووزاراتها.
آن الأوان لكي تدرك عقول البيروقراطية في وزارة التربية والتعليم أن زمن التعاليم الفوقية والغموض المتعمد قد ولى بلا رجعة. فالشعوب التي تقف صابرة على طحن الأيام تستحق أن تبصر نور الحقيقة بلا تعتيم وأن تعلم مصير أبنائها بلا استخفاف.. فهل من مسمع لمن يسمع أو واعٍ لمن يعي؟

