لم تكن الجدران الأربعة لمنزل تلك الأسرة بمدينة نصر مجرد سكن يبعث على الأمان، بل تحولت على مدار سنوات إلى مسرح لواحد من أبشع الكوابيس الإنسانية؛ كابوس لم يكن بطلُه غريبًا أو مجهولًا، بل هو الشخص الذي افترضت الفطرة والسماء أن يكون درع الحماية الأول لابنته.. الأب.
على مدار عام 2025 وما قبله، كانت الطفولة تُغتال في الخفاء، حتى جاءت لحظة الميلاد الصادمة لتزيح الستار عن الجريمة المسكوت عنها خوفًا وقهرًا، وتضع كلمة النهاية في ساحات القضاء المصري، حيث أسدلت محكمة الاستئناف المختصة الستار عن القصة، بقضائها بمعاقبة المتهم بالسجن المؤبد، بعد رحلة قضائية شهدت صدور حكم أولي بالإعدام شنقًا.
جحيم الصمت.. استغلال السلطة الأبوية
تنساب تفاصيل الواقعة من بين أوراق التحقيقات كشريط مؤلم من القهر؛ حيث استغل الأب المتهم سلطته الأبوية ونفوذه داخل المنزل، ليبدأ في ممارسة جرائمه بحق ابنته القاصر التي لم تبلغ بعد عامها الثامن عشر.
كان الأب يستدرج طفلته المسلوبة الإرادة إلى إحدى غرف المنزل، ويجبرها على خلع ملابسها ليكرر الاعتداء عليها بغير رضاها، متجاهلًا دموعها ومقاومتها المستميتة. ولم يكتفِ المتهم بفعلته، بل فرض عليها حصارًا من الرعب والتهديدات المباشرة ليضمن صمتها التام وعدم إفصاحها لأي طرف عما يدور داخل الغرف المغلقة.
استمر هذا المسلسل المؤلم لمرات متكررة، والطفلة تكتم غصتها وآلامها في صدرها، حتى قادها هذا العدوان المتكرر إلى سيرورة أشد قسوة.. لقد أصبحت الطفلة حبلى من والدها.
صرخة الميلاد.. وانكشاف المستور
ظل الجنين ينمو في أحشاء الضحية، وظلت هي تلملم خوفها وتخفي حقيقتها القاسية عن العالم الخارجي وعن والدتها، مرعوبة من بطش الأب المخيف، إلى أن دقت ساعة الحقيقة التي لم يكن مناص من مواجهتها.
فجأة، داهمت آلام المخاض والولادة جسد الطفلة الصغيرة؛ ليضطر الأب تحت وطأة الحالة الطارئة لنقلها إلى أحد المستشفيات. وفي غرفة العمليات، وضعت المجني عليها مولودًا مكتمل النمو، ليكشف صراخ المهد عن الجريمة الفظيعة التي حاول الجاني دفنها في العتمة.
لم يستطع الصمت أن يستمر أكثر من ذلك؛ إذ بادرت الطواقم الطبية والأجهزة الأمنية بالتدخل فور انكشاف الواقعة. بدأت النيابة العامة تحقيقاتها المكثفة حيث استمعت لأقوال الطفل الضحية وشهادة والدتها واستجمعت الأدلة الفنية والقانونية التي حاصرت المتهم لتأمر بإحالته محبوسًا إلى محكمة الجنايات.
من مشنقة “الجنايات” إلى مؤبد “الاستئناف”
في الجولة الأولى من المحاكمة أمام محكمة جنايات أول درجة، وقفت العدالة بالمرصاد لشناعة الجرم وأصدرت المحكمة حكمًا باهر الشدة بإجماع الآراء بإعدام المتهم شنقًا بعد إحالة أوراق قضيته إلى فضيلة مفتي الجمهورية لاستطلاع الرأي الشرعي في إعدامه جزاءً وفاقًا لما اقترفت يداه في حق ابنته.
ومع طعن المتهم على الحكم أمام محكمة الاستئناف المختصة ومراجعة أوراق القضية وظروفها القانونية أصدرت المحكمة حكمها النهائي والتطبيقي بتعديل العقوبة ومحكوميته لتخفيفها من الإعدام إلى السجن المؤبد. ليمضي المتهم بقية حياته خلف القضبان يسدد ثمن الجريمة التي هزت وجدان كل من علم بها وتظل المجني عليها تحاول ترميم ما تبقى من طفولتها المهدورة.

