عند ارتفاع أسعار الفائدة أو تغير حركة الأسواق العالمية، تتركز الأنظار على تدفقات “الأموال الساخنة” التي تدخل أسواق أدوات الدين بحثًا عن أعلى عائد، ثم تغادر بسرعة مع تغير الظروف.

ومع ذلك، يرى خبراء الاقتصاد الذين تحدثوا لـ”مصراوي” أن هذه التدفقات، رغم أهميتها في دعم السيولة، تختلف بشكل جذري عن الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يتمتع باستدامة وتأثير أكبر على الاقتصاد الحقيقي.

ويشيرون إلى أن الأموال الساخنة تتحرك وفق حسابات الربح السريع، بينما يسعى المستثمر الأجنبي المباشر إلى إيجاد بيئة مستقرة تمكنه من إنشاء مصنع أو مركز تكنولوجي أو مشروع إنتاجي يستمر لعقود ويخلق فرص عمل وينقل التكنولوجيا ويعزز الصادرات.

سوق كبير كأولوية

يؤكد الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية أن مصر تمتلك واحدًا من أكبر الأسواق الاستهلاكية في الشرق الأوسط وأفريقيا، بالإضافة إلى موقع جغرافي يربط بين ثلاث قارات.

ويضيف الشافعي لـ”مصراوي” أن مصر تتمتع بشبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة مع الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية، مما يوفر للشركات فرصة الإنتاج داخل مصر والتصدير إلى مئات الملايين من المستهلكين برسوم جمركية منخفضة أو معفاة.

وتستفيد مصر من اتفاقيات التجارة الحرة مثل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى واتفاقية أغادير واتفاقية الكوميسا واتفاقية الميركوسور مع دول أمريكا الجنوبية.

ويتابع الشافعي: لهذا يعد الاستثمار الباحث عن الأسواق (Market-Seeking Investment) أحد أكثر أنماط الاستثمار الأجنبي انتشارًا في الاقتصاد المصري، حيث تستهدف الشركات العالمية تحويل مصر إلى قاعدة إقليمية للإنتاج والتصدير.

وتدعم الدولة هذا التوجه عبر التوسع في الاستثمارات الصناعية الموجهة للتصدير، كما يتضح من افتتاح صوامع التصدير الجديدة لشركة تيتان مصر بالإسكندرية باستثمارات تبلغ 10 ملايين يورو، مما أضاف طاقة تخزينية قدرها 20 ألف طن. وهذا يعزز قدرة الشركة على تصدير 300 ألف طن من الأسمنت للسوق الأمريكية كمرحلة أولى، مع خطة لرفعها إلى 1.3 مليون طن خلال عامين ودراسة ضخ 20 مليون يورو إضافية لزيادة الطاقة الإنتاجية بنحو مليون طن سنويًا.

تكلفة إنتاج تنافسية

من جهته يقول الدكتور وليد جاب الله عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي إن قرار الاستثمار لا يعتمد فقط على حجم السوق وإنما يمتد أيضًا إلى تكلفة التشغيل.

يوضح جاب الله لـ”مصراوي” أن المستثمر يقارن بين تكلفة العمالة والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية وتوافر المواد الخام قبل اتخاذ قرار ضخ استثمارات بمئات الملايين من الدولارات.

كما يشدد على أهمية توفير بيئة تحقق أعلى كفاءة إنتاجية بأقل تكلفة ممكنة، وهو ما يفسر اهتمام الدولة خلال السنوات الماضية بتطوير شبكات الطرق والموانئ والمناطق الصناعية بالإضافة إلى التوسع في مشروعات الكهرباء والطاقة لتقليل تكلفة الإنتاج وسلاسل الإمداد.

يضيف جاب الله أن مصر تتمتع بقاعدة كبيرة من العمالة الشابة وبرامج تدريب وتأهيل تستهدف تلبية احتياجات القطاعات الصناعية والتكنولوجية المختلفة.

التكنولوجيا كعامل جذب

يؤكد الدكتور مصطفى بدرة الخبير الاقتصادي أن الاستثمار الأجنبي لم يعد مقتصرًا على الصناعات التقليدية فقط. فقد أصبح قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات واحدًا من أسرع القطاعات نموًا في السنوات الأخيرة، مدعومًا بتوسع البنية الرقمية وزيادة صادرات خدمات التعهيد وارتفاع أعداد الكوادر المؤهلة.

كما يشير بدرة لـ”مصراوي” إلى أن قطاع الطاقة المتجددة يعد من المجالات الجاذبة للاستثمار نظرًا للتوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر واستهداف رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء خلال السنوات المقبلة.

ويضيف بدرة أن قطاعات التصنيع الموجه للتصدير والسياحة والصناعات الغذائية والزراعة الحديثة تأتي أيضًا ضمن أكثر القطاعات الواعدة أمام المستثمرين الأجانب.

ماذا تقدم الدولة للمستثمر؟

يشدد خالد الشافعي على أن وجود سوق كبيرة أو تكلفة إنتاج مناسبة وحدهما لا يكفيان لجذب المستثمرين. إذ يبقى عنصر الثقة في البيئة التشريعية هو العامل الحاسم.

ويشير إلى أن قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 يضمن طمأنة المستثمر طويل الأجل عبر المساواة بين المستثمر المصري والأجنبي وحظر التأميم أو المصادرة إلا وفق القانون وللمنفعة العامة مع تعويض عادل. كما يضمن حرية تحويل الأرباح ورأس المال.

كما يبرز وليد جاب الله الحوافز الاستثمارية التي يوفرها القانون للمشروعات المقامة في المناطق الأكثر احتياجًا للتنمية، والتي تشمل خصومات على التكلفة الاستثمارية وتيسيرات جمركية على الآلات والمعدات المستخدمة في الإنتاج.

بينما يشير مصطفى بدرة إلى توسع الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في تطبيق نظام “الشباك الواحد” الذي يجمع إجراءات تأسيس الشركات والحصول على التراخيص في مكان واحد بجانب التوسع في الخدمات الرقمية لتقليل الوقت والتكلفة.

كما يؤكد خالد الشافعي أن المستثمر الأجنبي يعتبر سرعة الفصل في المنازعات واحدة من أهم المعايير لاختيار الدولة التي سيضخ فيها أمواله. وقد اتجهت مصر لتعزيز دور المحاكم الاقتصادية وتطوير آليات التحكيم والوساطة لتسوية المنازعات الاستثمارية مما يمنح المستثمر درجة أكبر من اليقين القانوني.

من جانبه يرى وليد جاب الله أن وضوح الإجراءات وسرعة التقاضي أصبحا عنصرين مهمين للتنافس بين الدول لجذب الاستثمارات خاصة مع احتدام المنافسة الإقليمية لاستقطاب الشركات العالمية وتطوير مراكز البيانات لتخزين وتبادل البيانات الضخمة.

الأموال الساخنة ليست بديلاً

يقول الدكتور مصطفى بدرة إن تدفقات المحافظ المالية لها أهمية كبيرة في دعم سوق النقد وتوفير العملة الأجنبية. لكنها بطبيعتها أكثر تقلبًا إذ تدخل الأسواق سريعًا وتخرج بنفس السرعة عند تغير أسعار الفائدة أو تصاعد المخاطر العالمية.

بينما يوضح بدرة أن الاستثمار الأجنبي المباشر يرتبط بأصول إنتاجية يصعب نقلها من دولة لأخرى مما يجعله أكثر استقرارًا وقدرة على خلق فرص العمل وزيادة الصادرات ورفع الإنتاجية ونقل المعرفة والتكنولوجيا.