حين يجلس الأمين والمدير على طاولة واحدة، تتكشف حكاية يجب أن تُعرف عن مؤسستين تتشابهان في الشكل وتختلفان في الجوهر اختلافًا عميقًا. أحدهما يحرس الميزانية والآخر يحرس الرسالة. سواء كانت المؤسسة شركة تسعى للربح أو كيانًا أهليًا يخدم الصالح العام، تحتاج كلا منهما إلى حارس يوازن بين الطموح والانضباط، وبين حرية القرار وأمانة التنفيذ.
غير أن هذا الحارس يتلون بحسب طبيعة الرسالة التي يخدمها، فمجلس الإدارة يعمل على الربح وتعظيم القيمة، بينما يسهر مجلس الأمناء على حماية المؤسسة وصيانة الرسالة من الانحراف عن أهدافها التأسيسية.
الهدف الذي يخدمه المجلس له تأثير واضح على طبيعته ووظيفته. يُنشأ مجلس الإدارة بطبيعته في الشركات التجارية والمصارف والمؤسسات الهادفة للربح، حيث تكون غايته العليا تعظيم العائد المالي للمساهمين ورفع قيمة الأسهم في الأسواق المالية وتحقيق الأرباح الوفيرة.
تدور عجلة القرار هنا حول الربح والخسارة، وتكون المساءلة موجهة حصريًا نحو الملاك والمستثمرين الذين وضعوا أموالهم رهانًا لنجاح الشركة التجارية وازدهارها المالي. ومن ثم فإن مهام مجلس الإدارة تنفيذية ويحاسب عليها بالأرباح والخسارة.
أما مجلس الأمناء، فيرتفع صوته في المؤسسات التعليمية والصحية والخيرية والأوقاف التاريخية والمتاحف الكبرى؛ وهي كيانات غير هادفة للربح بطبيعتها القانونية والمجتمعية. غايته القصوى هي حماية الرسالة العامة للمؤسسة وصيانة الأصول والأوقاف المخصصة لخدمة الأجيال، وليس توزيع أرباح بالتراضي.
يتوقع جمهور واسع من المواطنين والطلاب والمرضى والباحثين الوفاء التام بالرسالة واستدامة الخدمة الإنسانية. ومن هنا يتبدل مفهوم المساءلة جذريًا: فلا يُساءل عضو مجلس الأمناء أمام مستثمر طامح للربح السريع. الخلاصة أن مجلس الأمناء مهامه توجيهية ويُساءل أمام مجتمع بأسره والجهات الرقابية والضمير الإنساني العام.
تشكيل المجالس: بين صندوق الانتخاب وحيازة الأمانة
يتجلى الاختلاف بوضوح تام في أسلوب تكوين كل مجلس. يُعيَّن أو يُنتخب مجلس الإدارة مباشرة من قبل المساهمين والملاك خلال الجمعية العامة العادية أو غير العادية للشركة، في عملية ديمقراطية مالية بحتة تُرجح فيها كفة الغلبة لرأس المال وحجم الأسهم المملوكة. إنها لغة الأرقام والمصالح المالية البحتة التي تحكمها قواعد السوق وعوائد الاستثمار.
في المقابل، نجد أن تشكيل مجلس الأمناء أكثر تعقيدًا وثراءً في نسيجه التاريخي والمؤسسي. قد يعين المؤسس الدفعة الأولى من الأمناء أو العائلة التي تمتلك الوقف الخيري، أو تتدخل الجهات الحكومية والوزارات المختصة مثل وزارة التعليم العالي أو التضامن الاجتماعي لضمان توافق المؤسسة مع السياسات العامة للدولة.
وثمة نموذج ثالث يُعرف بـ«التجديد الذاتي»، حيث يقوم المجلس القائم بنفسه بانتخاب أعضاء جدد عند خلو أي مقعد لضمان استمرارية الفلسفة وحراسة الرسالة عبر تعاقب الأجيال، وهو نموذج معتمد عالميًا في الجامعات ومنظمات النفع العام.
وفي بعض الكيانات كالجامعات الكبرى والمستشفيات الاستراتيجية يتألق نموذج الهرم المزدوج حيث يتواجد مجلس أمناء أعلى يرسم السياسات الاستراتيجية ويحمي الأوقاف، وتحته مجلس إدارة تنفيذي يدير الشؤون التشغيلية والمالية اليومية بتناغم تام.
تضارب المصالح: حين تتقاطع المسؤولية العامة مع المصلحة الخاصة
عندما تغيب الحدود الفاصلة بين مهام المجالس ويجهل الناس الوظائف الحقيقية لكل كيان، تنفتح الأبواب على مصراعيها أمام آفة تضارب المصالح، وهي الصخرة المدمرة التي تتكسر عليها أمانة المؤسسات وثقة الجماهير.
تزداد حساسية هذا الملف حين يتعلق الأمر بأصحاب المسؤوليات وصناع القرار ممن يحملون معهم نفوذًا سابقًا أو شبكة علاقات قد تنحرف بالقرار المؤسسي عن مساره الموضوعي نحو مصالح شخصية أو فئوية ضيقة. ففي مجالس الإدارة تتجلى المعضلة حين يُبرم العضو عقود توريد لشركته الخاصة بأسعار تفوق سقف السوق مستغلًا سرية المعلومات.
وهنا يفرض القانون الإفصاح الفوري والانسحاب من التصويت. أما في مجالس الأمناء فتكون المصيبة أوجع وأعمق أثرًا على الوجدان الإنساني؛ إذ تتخذ صورًا حساسة مثل منح عقود بناء لأقارب الأمناء دون منافسة شفافة وعادلة أو توجيه البعثات والوظائف القيادية لأبناء المقربين دون معايير استحقاق حقيقية وموضوعية.
ويشتد الأمر خطورة حين يدخل مسؤول سابق شغل موقعًا تنفيذيًا رفيعًا كوزير أو محافظ إلى عضوية مجلس إدارة أو مجلس أمناء في قطاع كان يشرف عليه بالأمس؛ فهنا يجب أن يخضع دخوله لمعايير صارمة لتجنب تضارب المصالح وتحول أثر منصبه السابق ونفوذه المتبقي إلى ميزة تنافسية غير مشروعة لصالح الكيان الجديد أو لصالح شركائه في مصالح تجارية قديمة، وهو ما تستوجبه معايير الحوكمة الرشيدة في كل بلدان العالم المتقدمة قبل أن تستوجبه القوانين المصرية بذاتها.
فترات التبريد (الحظر) التشريعية: مقارنة بين مصر والمعايير العالمية
في المشهد التشريعي المصري ينظم قانون حظر تعارض المصالح انتقال المسؤولين الكبار عبر فترة حظر أو تبريد مدتها ثلاثة أشهر فقط بعد ترك المنصب. وعند المقارنة هذه المدة بالمعايير العالمية الرصينة تتكشف الفروق الصارخة: فإيطاليا تفرض ثلاثة أعوام كاملة وكندا خمسة أعوام لأنشطة الضغط واللوبي بينما الاتحاد الأوروبي عامين للمفوضين وثلاثة للرؤساء تصل فرنسا وألمانيا إلى خمسة أعوام كاملة لكبار الموظفين.
إن الثلاثة أشهر المصرية تبدو أقرب إلى استراحة قصيرة منها إلى سور منيع يحمي المعلومات والنفوذ مما يشكل ثغرة تشريعية تستوجب المراجعة الجادة والعميقة من المشرع المصري.
تزداد أهمية هذا الملف حين يتعلق الأمر بدخول وزراء سابقين أو من هم في حيثيتهم إلى مجالس إدارة بنوك أو مؤسسات مالية وأهلية كبرى؛ فمجرد شغلهم المنصب سابقا لا يمنحهم حصانة من قواعد الإفصاح والانسحاب عند تعارض المصالح بل يجب أن يخضع قبولهم في هذه المجالس لمراجعة دقيقة تضمن ألا يكون دخولهم امتدادا لعلاقات رسمية سابقة تحولت إلى نفوذ تجاري وأن لا تتحول خبرتهم الإدارية القيمة إلى غطاء لتمرير مصالح ضيقة على حساب المصلحة العامة التي طالما حرسوها بحكم موقعهم الرسمي السابق.
تبقى قصة كل مجلس سواء كان أميناً على رسالة نبيلة أو مديراً على مال مستثمر حكاية توازن دقيق بين الثقة الممنوحة والمساءلة المستحقة. ولن تستقيم الحياة المؤسسية في بلادنا إلا بوعي عميق بطبيعة كل وظيفة وسدود منيعة ضد تضارب المصالح وتطبيق صارم لمعايير الحوكمة الرشيدة وفترات تبريد تحاكي أفضل الممارسات العالمية لتبقى الأمانة مصونة والوطن مزدهرًا بأبنائه المخلصين.

