صدر عن دار نشر أكسفورد هذا العام عمل ضخم بعنوان “The Oxford Handbook of the Egyptian Economy”، وهو موسوعة أكسفورد للاقتصاد المصري، من تحرير ثلاثة من أبرز الاقتصاديين المهتمين بمصر، وهم: الدكتور محمود محيي الدين، والدكتور مارسيلو جوجالي، والدكتورة رشا رمضان.

قاد الدكتور محمود محيي الدين هذا المشروع الذي استغرق إعداده خمس سنوات كاملة، وشارك فيه 69 باحثًا وباحثة من جامعات ومؤسسات دولية مرموقة مثل البنك الدولي وجامعة كامبريدج وجامعة كولومبيا، بالإضافة إلى أساتذة من جامعات مصرية مثل جامعة القاهرة وجامعة النيل والأكاديمية العربية والجامعة الأمريكية بالقاهرة.

ورغم أن الكتاب موجّه أساسًا للأكاديميين وصناع القرار، إلا أن محتواه من تشخيص وحلول يهم كل مواطن مصري يسعى لفهم سبب عدم شعوره بالرخاء على الرغم من الجهود المبذولة وما يمكن تغييره.

لماذا تعد هذه الموسوعة مهمة للغاية؟

تكمن أهمية هذه الموسوعة في أنها ليست مجرد تقرير حكومي أو دراسات عابرة، بل هي أشمل عمل أكاديمي صدر حتى الآن عن الاقتصاد المصري. تضم الموسوعة 43 فصلًا تغطي جميع جوانب التنمية في مصر: من السياسات المالية والنقدية إلى سوق العمل والفقر والمياه والمناخ وصولًا إلى الحوكمة ومكافحة الفساد.

وقد أشاد بالكتاب شخصيات عالمية بارزة، منها الاقتصادي الأمريكي جيفري ساكس أستاذ جامعة كولومبيا، الذي وصفه بأنه “المرجع الأساسي لفهم مسار مصر الاقتصادي ونقطة الانطلاق الضرورية لعصر جديد من الإصلاح”. كما وصفه محمد العريان، الاقتصادي المصري المرموق، بأنه “خارطة طريق تحليلية ضرورية للاقتصاديين وصناع القرار لاستغلال هذه اللحظة التاريخية”.

ما يميز هذا العمل عن غيره من الدراسات هو أنه لا يكتفي بتقديم الأرقام والمؤشرات، بل يجيب على سؤال جوهري ظل محيرًا لعقود: لماذا تملك مصر كل مقومات النهضة -من موارد بشرية وموقع جغرافي استراتيجي وموارد طبيعية- ومع ذلك لم تتحول بعد إلى اقتصاد متقدم؟ ويرى المحررون أن الإجابة تكمن في مقاومة الدولة والمؤسسات للإصلاح الشامل، حتى عندما تكون الحاجة إليه واضحة وملحة.

التشخيص: أين تكمن المشكلة؟

يخرج الكتاب بست رسائل رئيسية تفسر تعثر الاقتصاد المصري. أولها أن تدخل الدولة الواسع في الاقتصاد -سواء كمالكة أو كمنظمة وواضعة للقواعد- كان في مجمله عائقًا وليس دافعًا للنمو. فقد أدى ذلك إلى دورات متكررة من الازدهار والانهيار وأثقل كاهل البنك المركزي بخدمة الدين الحكومي بدلًا من التركيز على استقرار الأسعار.

ويُشار إلى أن مدفوعات الفوائد على الدين تلتهم اليوم أكثر من ثلاث أرباع الإيرادات، وأن مصر لجأت إلى صندوق النقد الدولي اثنتي عشرة مرة منذ عام 1962.

الرسالة الثانية تتعلق بوجود منافسة ومزاحمة غير عادلة للقطاع الخاص تمثلها أكثر من 300 شركة مملوكة للدولة و53 هيئة عامة تعمل في شتى القطاعات وتتمتع بامتيازات ضخمة تجعل من الصعب على القطاع الخاص منافستها. هذا الأمر يؤدي إلى انحصار رواد الأعمال في أنشطة هامشية أو اللجوء إلى الاقتصاد غير الرسمي.

أما الرسالة الثالثة فتخص عدم كفاءة رأس المال البشري: فرغم أن عدد سكان مصر يتجاوز 114 مليون نسمة وسيتخطى 200 مليون بحلول عام 2100، لا تزال جودة التعليم متدنية والفجوة بين تعليم المرأة ومشاركتها الفعلية في سوق العمل كبيرة.

الرسالة الرابعة صادمة: ثلث المصريين اليوم يعيشون تحت خط الفقر اليوم، ارتفاعًا من نحو 16% في عام 2000.

أما الرسالة الخامسة فتحذر من استنزاف الموارد الطبيعية وخصوصًا مياه النيل التي توفر 90% من احتياجات مصر المائية والتي تتعرض لضغوط متزايدة بفعل النمو السكاني وسد النهضة الإثيوبي.

وأخيرًا، تشدد الرسالة السادسة على أن الحوكمة الضعيفة والمساءلة المحدودة هي السبب وراء عدم تنفيذ العديد من الإصلاحات المُعلنة فعليًا.

ماذا تحتاج مصر لتحقيق النمو؟

تقدم الموسوعة خارطة طريق شاملة لما يجب أن تفعله مصر، مبنية على ستة محاور مترابطة لا ينجح أي منها بمعزل عن الآخر.

  1. إصلاح الإطار المالي والنقدي.. توصي الموسوعة بوضع قواعد مالية صارمة تُلزم الحكومة بحدود قصوى للدين والعجز وتفعيل قانون المالية العامة الموحد بحيث تُدمج كل الهيئات والشركات الحكومية داخل الموازنة العامة بدلًا من بقائها خارجها. كما يدعو إلى تحرير حقيقي لسعر الصرف والتخلص مما يسميه الباحثون “الخوف من التعويم” حتى يتمكن البنك المركزي من التركيز على مهمته الأساسية وهي كبح التضخم بدلًا من الدفاع عن سعر صرف مصطنع. وعلى صعيد الإيرادات، يوصي بتوسيع القاعدة الضريبية عبر تقليص الإعفاءات غير المجدية وميكنة الإدارة الضريبية مع خفض الاعتماد على الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل الفقراء.
  2. تحقيق الحياد التنافسي وتحرير مساحة للقطاع الخاص: تشدد الموسوعة على ضرورة انسحاب الدولة تدريجيًا من الأنشطة التي يمكن للقطاع الخاص القيام بها وحصر دورها في البنية التحتية والخدمات الاجتماعية الأساسية. والأهم هو تطبيق مبدأ الحياد التنافسي أي معاملة جميع الشركات -عامة كانت أم خاصة- بنفس القواعد الضريبية والجمركية وشروط الحصول على الائتمان بدلًا من استمرار الوضع الحالي الذي يمنح كيانات الدولة أفضلية غير عادلة.
  3. الاستثمار في الإنسان: تدعو الموسوعة إلى الانتقال من شعار “التعليم المجاني” إلى ضمان جودة التعليم الفعلية عبر تدريب المعلمين ونشر نتائج التقييمات وربط المناهج باحتياجات سوق العمل الحديث. كما توصي بالإسراع في تطبيق التأمين الصحي الشامل وإصلاح قوانين العمل لتشجيع مشاركة المرأة عبر توفير مرونة في التوظيف ودور رعاية للأطفال ومكافحة التمييز في الأجور.
  4. حماية اجتماعية ذكية لمكافحة الفقر: توصي الموسوعة بتوجيه برامج الدعم مثل “تكافل وكرامة” نحو الفئة الأكثر احتياجًا فعليًا -وهي نحو 13% من السكان الذين يعانون من الفقر النقدي والفقر متعدد الأبعاد معًا- بدلًا من توزيع الدعم بشكل عشوائي. كما يدعو إلى إصلاح منظومة بطاقات التموين لتكون أكثر كفاءة وعدالة.
  5. الاستدامة البيئية والمائية.. نظرًا لأن مصر تقترب من “حد الفقر المائي المطلق” (أقل من 500 متر مكعب للفرد سنويًا)، توصي الموسوعة بتبني تسعير اقتصادي لاستخدامات المياه في الزراعة والصناعة وإعادة تدوير مياه الصرف بالشراكة مع القطاع الخاص. كما تدعو إلى إدماج مخاطر تغيّر المناخ في التخطيط المالي للدولة وحماية دلتا النيل والمناطق الساحلية.
  6. الحوكمة واللامركزية.. تختتم الموسوعة توصياتها بالتأكيد على أهمية الشفافية وإتاحة تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات للرأي العام وإشراك المجالس المحلية والمجتمع المدني في تخطيط المشروعات التنموية بالمحافظات.

إلى جانب تصحيح الأخطاء الماضية تشير الموسوعة إلى فرص عالمية وإقليمية يمكن لمصر استثمارها منها الاستفادة من توجه الشركات العالمية لنقل إنتاجها إلى مناطق قريبة من أسواقها بدلًا عن الصين (Nearshoring) وتعظيم الاستفادة من قناة السويس كممر لوجستي وصناعي عالمي إضافة إلى جذب استثمارات الطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي لخلق فرص عمل للشباب. وهكذا تكون الرسالة الأهم التي يخرج بها القارئ هي أن مشكلة مصر ليست نقص الأفكار أو الحلول الفنية -فهذه موجودة ومعروفة منذ سنوات- بل نقص الإرادة السياسية والإصرار الإداري على تنفيذ هذه الإصلاحات وتحمل تبعاتها. وكما يخلص محررو الموسوعة أنفسهم: كسر هذه الحلقة المفرغة للأزمات المتكررة والإصلاحات الجزئية هو الكفيل وحده بفتح الطريق أمام مصر أكثر ازدهاراً وعدالة واستدامة.