أجرى مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة، جولة ثانية من “التصويت الاسترشادي” (الشكلي) لاختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة لخلافة أنطونيو جوتيريش، الذي تنتهي ولايته الثانية في نهاية عام 2026، وسط انقسامات عميقة داخل المؤسسة الدولية.
ذكرت ثلاثة مصادر مطلعة أن استطلاعًا غير رسمي أظهر تقدمًا طفيفًا للمرشحة من غيانا كارولين رودريجيز-بيركيت في السباق على المنصب.
ويُعتبر هذا الاستطلاع هو الثاني من نوعه بعد أن أظهر استطلاع أولي تقدمًا مبكرًا لنائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا جرينسبان.
تأتي هذه التطورات في وقت تتجه فيه الأنظار نحو احتمال وصول امرأة للمرة الأولى إلى قمة المنظمة الدولية، مع بقاء الحسم الفعلي رهينًا بمواقف الدول الخمس دائمة العضوية وحقها في استخدام “الفيتو”، وفقًا لوكالة رويترز.
صدارة الجولة الثانية
يضم مجلس الأمن 15 دولة، ويجري التصويت خلف أبواب مغلقة باستخدام خيارات: “تشجيع” و”عدم تشجيع” و”عدم إبداء رأي”.
وبحسب دبلوماسيين تحدثوا لصحيفة “The National”، حصلت مرشحة غويانا كارولين رودريجيز-بيركيت على 8 أصوات تشجيع لتتصدر الجولة الثانية، بينما حصلت ريبيكا جرينسبان والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي على 7 أصوات تشجيع لكل منهما.
وأظهرت تفاصيل نقلتها صحيفة “El País” أن رودريجيز-بيركيت حصلت أيضًا على 3 أصوات “عدم تشجيع”، مقابل 4 أصوات سلبية لجرينسبان، مما جعل المرشحتين تتبادلان صدارة السباق بين جولتي التصويت.
كانت جرينسبان قد تصدرت الجولة الأولى التي أجريت في 30 يوليو متقدمة على رودريجيز-بيركيت وجروسي.
حضور نسائي
ارتفع عدد المتنافسين على المنصب إلى 8 مرشحين بعد دخول الدبلوماسية الإكوادورية إيفون عبد الباقي السباق بترشيح من مملكة تونغا في 17 أغسطس. تشمل القائمة الحالية، إلى جانب رودريجيز-بيركيت وجرينسبان وجروسي، الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشيليت ووزيرة الخارجية الإكوادورية السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا والرئيس السنغالي السابق ماكي سال والدبلوماسي الأوغندي أولارا أوتونو إضافة إلى عبد الباقي. وبذلك تضم القائمة 5 نساء مقابل 3 رجال، في سباق قد ينتهي باختيار أول امرأة في تاريخ الأمم المتحدة لتولي منصب الأمين العام، وهو ما يحظى بدعم متزايد من دول ومنظمات مدنية.
إيفون عبد الباقي
دخلت إيفون عبد الباقي السباق متأخرة ولذلك لم تشارك في الجولة الأولى من التصويت الاسترشادي. وبحسب الأمم المتحدة ووكالة رويترز، رشحتها تونغا رسميًا في 17 أغسطس لتصبح المرشحة الثامنة.
عبد الباقي هي دبلوماسية إكوادورية ولدت لأبوين مهاجرين من لبنان وعاشت في لبنان خلال الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990. شغلت سابقًا عدة مناصب حكومية ودبلوماسية منها منصب وزيرة في الحكومة الإكوادورية وعملت سفيرة لبلادها لدى الولايات المتحدة وفرنسا وقطر.
وخلال حوار غير رسمي مع الدول الأعضاء والمجتمع المدني يوم الخميس الماضي، استندت عبد الباقي إلى تجربتها خلال الحرب اللبنانية قائلة إنها عاشت سنوات الحرب في بيروت واحتضنت أطفالها الثلاثة أثناء سقوط القنابل قبل أن تتعهد بتكريس حياتها للسلام. وتعهدت بالتركيز على منع النزاعات قبل اندلاعها والعمل ميدانيًا في مناطق التوتر والحروب إلى جانب الدفع باتجاه إصلاح الأمم المتحدة وجعل مجلس الأمن أكثر تمثيلًا للواقع الجيوسياسي الحالي.
لكن دخولها المتأخر لم ينعكس على نتائج الجولة الثانية؛ إذ حصلت على صفر من أصوات التشجيع و8 أصوات عدم تشجيع. وأوردت “El País” أن لديها 7 أصوات امتناع عن إبداء الرأي. وكانت “رويترز” قد ذكرت أن إيفون عبد الباقي قالت سابقًا لإذاعة إكوادورية إن ترشحها يحظى بدعم أمريكي مع الإشارة إلى أن واشنطن لم تعلق رسميًا على هذه التصريحات.
حظوظ متزايدة
يشير مسار التصويت حتى الآن إلى حضور نسائي قوي في مقدمة السباق مع تصدر جرينسبان الجولة الأولى ثم انتقال رودريجيز-بيركيت إلى المركز الأول في الجولة الثانية. كما أن المرشحتين تمثلان منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي التي تُعتبر تقليديًا الأقرب لتولي المنصب وفق مبدأ التناوب الجغرافي غير الملزم. وفي حال فوز أي من جرينسبان أو رودريجيز-بيركيت ستكون تلك المرة الأولى التي تتولى فيها امرأة منصب الأمين العام للأمم المتحدة منذ تأسيس المنظمة عام 1945.
تراجع جروسي
احتفظ رافائيل جروسي بموقع متقدم في الجولة الثانية بحصوله على 7 أصوات تشجيع لكنه لم يتمكن من تجاوز المرشحتين المتصدرتين. وتقول “El País” إن جروسي بقي في المركز الثالث خلال جولتي التصويت بعدما كان يُنظر إليه سابقًا كأحد أبرز المرشحين. يرى دبلوماسيون ومراقبون أن السباق لا يزال مفتوحاً إذ لم تبدأ بعد المرحلة التي تكشف بصورة أوضح مواقف الدول الخمس دائمة العضوية وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا كما لا يزال احتمال دخول مرشحين جدد قائمًا. وقال السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إن ظهور مرشحين جدد يظل احتمالاً قائمًا إذا لم يتمكن أي من الأسماء الحالية من تحقيق تقدم كافٍ.
اختيار الأمين العام
وينص ميثاق الأمم المتحدة على أن الأمين العام يُعيَّن من الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن. عملياً يحتاج المرشح إلى الحصول على 9 أصوات على الأقل من أصل 15 في مجلس الأمن دون استخدام أي من الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض ضده. وبعد تجاوز هذه المرحلة تُحال التوصية إلى الجمعية العامة المكونة من 193 دولة لاعتماد التعيين. تُستخدم جولات التصويت الاسترشادي منذ عقود لاختبار حظوظ المرشحين قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر حساسية بينما لا تُحفظ سجلات رسمية لهذه الاقتراعات وتُتلف أوراق التصويت بعد كل جولة.
شفافية العملية
يتزامن السباق مع جدل بشأن مدى شفافية آلية اختيار الأمين العام حيث دفعت رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك نحو عملية أكثر شفافية وشمولاً بما يشمل عقد حوارات علنية مع المرشحين وإتاحة الفرصة للدول الأعضاء والمجتمع المدني للاستماع لبرامجهم. أثارت هذه الجهود انتقادات من الولايات المتحدة وروسيا اللتين اعتبرتا أن بيربوك تتجاوز نطاق الصلاحيات المرتبطة بدور الجمعية العامة في عملية تقودها أساساً الدول الأعضاء في مجلس الأمن.
ضغوط متزايدة
ويأتي سباق الخلافة في مرحلة صعبة للأمم المتحدة وسط ضغوط مالية وسياسية وتحديات مرتبطة بالحروب والانقسامات الدولية. وأشارت رئاسة الجمعية العامة إلى أن المنظمة تواجه ضغوطاً مالية وسياسية غير مسبوقة فيما يتواصل برنامج إصلاح “UN80” الرامي لجعلها أكثر كفاءة وفاعلية. تواجه المنظمة ضغوطاً أيضاً من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التمويل والإصلاحات حيث أعلنت واشنطن نيتها دفع 725 مليون دولار كمتأخرات للأمم المتحدة مع ربط المساهمات المستقبلية بإجراءات إصلاح وخفض للتكاليف.

