أصبح اللجوء إلى الإنترنت للبحث عن تفسير لأي عرض صحي أمرًا شائعًا بين العديد من الأشخاص. فعند الشعور بصداع أو ارتفاع في درجة الحرارة أو آلام متفرقة في الجسم، يبدأ البعض في تصفح المواقع الطبية ومحركات البحث أملاً في الوصول إلى تشخيص سريع.
ورغم أن هذه العادة قد تبدو بسيطة، فإنها قد تتحول إلى مشكلة نفسية تُعرف باسم “الوسواس المرضي الإلكتروني” أو Cyberchondria، وهي حالة تتسم بالبحث القهري والمتكرر عن المعلومات الطبية عبر الإنترنت، مما يؤدي إلى تصاعد القلق والخوف من الإصابة بأمراض خطيرة دون وجود دليل طبي.
ما هو الوسواس المرضي الإلكتروني؟
وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة شارادي سي، استشارية الطب النفسي، أن الوسواس المرضي الإلكتروني يتمثل في لجوء الشخص بصورة متكررة إلى الإنترنت للبحث عن معلومات تتعلق بالأعراض أو الأمراض، مما يزيد من مخاوفه الصحية بدلاً من أن يطمئنه بحسب ما ذكرته Only My Health.
وأضافت أن هذه الحالة تدخل الشخص في حلقة مفرغة تبدأ بظهور عرض صحي بسيط مثل الصداع أو آلام العضلات، ثم البحث عنه عبر الإنترنت ليجد معلومات تربط هذه الأعراض بأمراض خطيرة أو نادرة. مما يؤدي إلى زيادة قلقه واستمراره في البحث عن مزيد من المعلومات بهدف الاطمئنان، لكن النتيجة غالبًا ما تكون عكسية حيث تتفاقم مشاعر الخوف وعدم اليقين.
وأشارت إلى أن هذا السلوك قد يدفع البعض إلى زيارة الأطباء بصورة متكررة وإجراء فحوصات وتحاليل طبية دون داعٍ، مع المراقبة المستمرة للجسم بحثًا عن أي أعراض جديدة. الأمر الذي قد يؤثر سلبًا على القدرة على التركيز والعمل وممارسة الحياة اليومية، كما قد يزيد من حدة اضطرابات القلق لدى الأشخاص الأكثر عرضة لذلك.
وتدعم الدراسات العلمية هذه الملاحظات. إذ أشارت دراسة نشرت في مجلة Comprehensive Psychiatry إلى أن الوسواس المرضي الإلكتروني يمثل ظاهرة متنامية حيث يعتمد بعض الأشخاص على الإنترنت لتشخيص أنفسهم. ويؤدي تعرضهم المستمر لأسوأ السيناريوهات الطبية إلى تضخيم المخاوف الصحية.
ويرجع ذلك إلى أن محركات البحث والمواقع الإلكترونية غالبًا ما تعرض الأمراض الخطيرة والنادرة ضمن نتائج البحث مما يدفع البعض لتفسير الأعراض البسيطة أو الطبيعية على أنها علامات لأمراض مهددة للحياة.
وأضاف الباحثون أن هذا السلوك لا يقتصر تأثيره على زيادة القلق النفسي فقط بل قد يؤدي أيضًا إلى زيارات غير ضرورية للعيادات الطبية وإجراء فحوصات متكررة. بل وقد يتسبب في تراجع ثقة بعض المرضى في تقييمات الأطباء عندما تختلف عن النتائج التي توصلوا إليها عبر الإنترنت.
كما أشارت دراسة حديثة نشرت في مجلة Healthcare إلى أن الوسواس المرضي الإلكتروني يعد من المشكلات النفسية الحديثة المرتبطة بالانتشار الواسع للمعلومات الطبية على الإنترنت. إذ يلجأ الأشخاص إلى التشخيص الذاتي أملاً في الحصول على الطمأنينة، لكن الكم الهائل من المعلومات، خاصة غير الدقيقة أو غير المتوازنة، يؤدي غالبًا إلى نتيجة معاكسة حيث يدخل الشخص في دائرة مستمرة من القلق والبحث عن مزيد من الإجابات الطبية.
وأكدت الدكتورة شارادي أن السيطرة على هذه الحالة تبدأ بتقليل عمليات البحث غير الضرورية عن الأعراض الصحية وعدم الاعتماد على الإنترنت كوسيلة للتشخيص الذاتي. مع ضرورة الاستعانة بالمصادر الطبية الموثوقة عند الحاجة للمعلومات.
كما شددت على أهمية استشارة الطبيب عند استمرار الأعراض أو تكرارها بدلاً من الاكتفاء بما يتم تداوله عبر المواقع الإلكترونية. موضحةً أن العلاج السلوكي المعرفي يعد من أكثر الأساليب العلاجية فاعلية لمساعدة الأشخاص على مواجهة الأفكار المقلقة وتقليل السلوكيات القهرية المرتبطة بالبحث المستمر عن الطمأنينة.
تقنيات الاسترخاء واليقظة الذهنية
وأضافت أن تقنيات الاسترخاء واليقظة الذهنية بالإضافة إلى تعلم تقبل قدرٍ من عدم اليقين يمكن أن تساعد أيضًا في كسر الحلقة المفرغة التي يغذيها الوسواس المرضي الإلكتروني.
وأكدت أنه إذا أصبحت المخاوف الصحية مسيطرة على حياة الشخص أو بدأت تؤثر سلباً على أدائه اليومي وعلاقاته فمن الضروري طلب المساعدة من طبيب أو أخصائي نفسي لأن التدخل المبكر يسهم في الحد من تطور الحالة ويمنع تحولها إلى اضطراب نفسي مزمن.
ويرى الأطباء أن الإنترنت يظل مصدرًا مهمًا للمعلومات الصحية لكنه لا يمكن أن يحل محل التقييم الطبي المباشر. فالتشخيص الصحيح يعتمد على التاريخ المرضي والفحص السريري والفحوصات اللازمة وليس فقط على نتائج محركات البحث مهما بدت مقنعة أو متطابقة مع الأعراض.

