دخلت سوق النفط عام 2026 في حالة بدت متوازنة ظاهريًا، لكنها كانت تخفي في طياتها هشاشة واضحة منذ البداية. بدأ الطلب العالمي يتراجع تحت ضغط أسعار الفائدة المرتفعة، في حين ظل المعروض مستقرًا نسبيًا لكنه عُرضة لأي صدماتمفاجئة. تحرك خام برنت في أوائل فبراير ضمن نطاق 65 إلى 75 دولار للبرميل، في ظل سوق حذرة لكنها لا تتوقع اضطرابًا كبيرًا.

ما تغير لاحقًا لم يكن فقط اتجاه الأسعار، بل آلية التسعير نفسها. قبل اندلاع الصراع، كانت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران تتصاعد تدريجيًا عبر مفاوضات متعثرة، وحوادث بحرية، وتصريحات متشددة. ورغم أن الأسعار بدأت تعكس هذا التوتر، فإن ذلك جاء بشكل محدود، حيث أضافت السوق علاوة مخاطر دون أن تُسعّر احتمال تعطل فعلي في الإمدادات.

بحلول منتصف فبراير، ارتفعت اسعار النفط فوق 70 دولار في ظل تحركات متقطعة مرتبطة بالأخبار، لكن التوقع السائد بقي أن أي تصعيد سيكون محدود النطاق.

من الخطر إلى التعطّل: صدمة وتسعير مبالغ فيه

أعادت السوق تسعير النفط بشكل فوري وحاد مع تحول التوتر إلى مواجهة مباشرة في أواخر فبراير. لم يكن هناك انتقال تدريجي، بل قفزة سريعة خلال أيام دفعت برنت إلى نطاق 110-120 دولار للبرميل، في حين سجل خام غرب تكساس ارتفاعًا هو الأقوى خلال السنوات الأخيرة.

التحول الأساسي كان في طبيعة رد الفعل: لم تعد السوق تتعامل مع احتمال الخطر، بل مع احتمال فقدان الإمدادات بشكل فعلي.وكان مضيق هرمز نقطة الارتكاز في هذا التحول، باعتباره أهم ممر لنقل النفط عالميًا، حيث يمر عبره نحو 20% من الإمدادات. ومع تصاعد التوتر، بدأت حركة الشحن تتأثر بشكل مباشر في ظل تباطؤ حركة ناقلات النفط، وارتفاع حاد في تكاليف التأمين، فضلًا عن تعطّل أو إغلاق بعض المسارات.

النتيجة كانت صدمة في الإمدادات الفورية، حيث تأخر تسليم ملايين البراميل أو خرجت مؤقتًا من السوق، في وقت لم يكن فيه النظام العالمي قادرًا على تعويض نقص المعروض بشكل كافِ لاحتواء الأزمة.

هذا الارتفاع لم يكن مدفوعًا بالأساسيات وحدها، بل أيضًا بالتدفقات المالية، حيث عزز المضاربون وصناديق التحوط مراكز الشراء، ما دفع الأسعار إلى مستويات تفوق ما تبرره العوامل الفعلية. وفي هذه الأثناء، تصاعدت مخاوف شح المعروض بعدتقارير عن استهداف منشآت طاقة، مثل المصافي ومرافق التخزين، وهو ما غيّر طبيعة السوق بالكامل؛ إذ لم يعد التداول قائمًا على العرض والطلب فقط، بل على سيناريوهات المخاطر القصوى.

وقف إطلاق النار: تصحيح دون عودة للوضع الطبيعي

مع ظهور مؤشرات على تهدئة الصراع وإعلان وقف إطلاق النار، دخلت السوق مرحلة ثالثة تمثلت في التصحيح الهبوطي.تراجعت الأسعار بسرعة، في واحدة من أكبر التحركات اليومية خلال سنوات، حيث هبط برنت من قممه إلى نطاق 90–100 دولار، في حركة عكست سرعة الصعود السابق.

لكن هذا التراجع لم يكن عودة إلى الوضع الطبيعي، بل إعادة تسعير لمجموعة جديدة من الاحتمالات. انتقلت السوق من تسعير حرب مفتوحة إلى تسعير تهدئة هشة، في وقت لم تختفِ فيه المشكلات الأساسية المتعلقة باستمرار اضطراب سلاسل الإمداد، وبقاء القيود على الشحن، واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.

ولهذا السبب، لم تعد الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب، بل استقرت عند مستويات أعلى تعكس وجود مخاطر مستمرة.بحلول أوائل أبريل 2026، استقر النفط قرب 98–100 دولار، لكن هذا الاستقرار يخفي هشاشة واضحة. فمضيق هرمز لم يعد يعمل بكامل طاقته، كما ظلت حركة الشحن غير منتظمة، مع وجود شحنات مؤجلة وناقلات عالقة، ما أدى إلى اختناقات في الإمدادات وارتفاع التكاليف. بمعنى آخر، حتى في غياب التصعيد، لم تعد السوق إلى وضعها الطبيعي.

تحقق هذا السيناريو بالفعل عندما أعادت السوق تسعير المخاطر الجيوسياسية بشكل حاد عقب تصريحات دونالد ترامب بشأن فرض حصار بحري على مضيق هرمز، ما دفع أسعار النفط إلى قفزة فورية بنحو 8%، مع اختراق خام برنت مستوى 102 دولار للبرميل. هذا التحرك لا يعكس فقط صدمة خبرية، بل انتقالًا سريعًا من تسعير توترات محتملة إلى تسعير اضطراب فعلي في تدفقات الإمدادات.

سوق باتت ثنائية الاتجاه.

أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم انهيار الأسعار بعد التهدئة هو أن سلاسل الإمداد لا تعود للعمل فورًا. يترك أي اضطراب في سوق الطاقة آثارًا ممتدة، حيث تحتاج المصافي إلى إعادة ضبط الإمدادات وإصلاح الأضرار في حقول ومنشآت الإنتاج، كما تتطلب المخزونات وقتًا لإعادة بنائها، بينما تحتاج مسارات التجارة إلى إعادة تنظيم.

تستغرق هذه العمليات وقتًا، ما يدفع السوق إلى الاستمرار في تسعير آثار الصدمة حتى بعد تراجعها. في الوقت نفسه، برزت ظاهرة جديدة تمثلت في وجود علاوة مخاطر شبه دائمة. ففي السابق، كانت المخاطر الجيوسياسية مؤقتة، تظهر ثم تتلاشى. أما الآن، فقد أصبحت جزءًا مستمرًا من عملية التسعير.

السوق باتت تفترض أن تعطل مضيق هرمز قد يحدث في أي وقت، وهو ما يرفع الحد الأدنى للأسعار حتى خلال فترات الهدوء. وفي المقابل، لا تزال هناك ضغوط هبوطية واضحة، إذ إن ارتفاع أسعار النفط يعزز التضخم، وهذا التضخم يؤخر بدوره خفض أسعار الفائدة، بينما تؤدي الفائدة المرتفعة إلى الضغط على النمو، وهو ما ينعكس في النهاية على تباطؤ النمو وتقليل الطلب على النفط.

هذا التفاعل خلق سوقًا تتحرك في اتجاهين:

قوى صعودية: اضطرابات الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية
قوى هبوطية: ضعف الطلب وتشديد السياسة النقدية

والنتيجة هي سوق أكثر تقلبًا، تتحرك بقوة في كلا الاتجاهين بدلًا من اتجاه واحد واضح.

يتمثل التحول الأعمق في أن النفط لم يعد مجرد سلعة مادية، بل أصبح أصلًا ماليًا ضمن منظومة الاقتصاد الكلي. لعب الذهب الأسود خلال الصراع أدوارًا متعددة في وقت واحد، إذ كان أداة تحوط ضد المخاطر الجيوسياسية، ووسيلة تحوط ضد التضخم، كما عمل كمؤشر على اضطراب سلاسل الإمداد. جذب هذا التعدد في الأدوار تدفقات استثمارية إضافية، وزاد من حساسية السوق للأخبار والتوقعات.

ما الذي سيحدد المسار القادم.

سيتحدد اتجاه النفط في المرحلة المقبلة بناءً على مجموعة من العوامل الحاسمة:

وضع مضيق هرمز: إعادة فتح كاملة قد تخفف الضغوط، بينما استمرار الاضطرابات سيدعم الأسعار
مدة الصراع: صراع قصير يسمح بالتعافي، في حين أن استمرار التوتر يرسخ مستويات سعرية مرتفعة
الطلب العالمي: قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل الأسعار المرتفعة

ما كشفه الصراع الأمريكي–الإيراني هو أن سوق النفط أكثر هشاشة مما كان يُعتقد، وأن التحركات الحادة لم تكن نتيجة الحرب وحدها، بل نتيجة التوازن الدقيق الذي كان قائمًا قبلها.

بعبارة أخرى، أصبح سوق النفط مساحة تتقاطع فيها العوامل الجيوسياسية مع مؤشرات الاقتصاد الكلي وقيود الإمدادات.ونتيجة لذلك، لم تعد الأسعار تسلك مسارًا خطيًا، بل تتأرجح بين قوى متعارضة، بالتوازي مع عملية مستمرة لإعادة تسعير المخاطر على مدار الساعة. وهذا هو الشكل الجديد لسوق النفط: سوق أكثر حساسية، وأكثر تقلبًا، وتُعيد تقييم نفسها باستمرار.