دقائق قليلة كانت كافية لتنتقل مصر من سنوات الانتظار والاستعداد إلى لحظة المواجهة، ولتبدأ واحدة من أعظم صفحات البطولة في تاريخ القوات المسلحة المصرية.
لم يكن السادس من أكتوبر مجرد يوم في التقويم، بل كان يوما استعاد فيه المصريون معنى العزة والكرامة، وكتب فيه جنود مصر بدمائهم وتضحياتهم فصلا جديدا في تاريخ الوطن.
لقد أصبح نصر أكتوبر مصدر فخر لكل مصري وعربي، كما حظيت تفاصيل المعركة باهتمام المؤسسات والأكاديميات العسكرية حول العالم، التي درست ما قدمه المقاتل المصري من شجاعة وصبر ومثابرة وقدرة على تنفيذ واحدة من أعقد عمليات العبور العسكرية.
الثانية ظهرًا.. لحظة انطلاق العبور
عند الساعة 2:05 ظهرا يوم السادس من أكتوبر 1973، انطلقت نحو 220 طائرة مصرية على ارتفاع منخفض، عابرة قناة السويس في اتجاه أهداف إسرائيلية في سيناء.
كانت تلك الضربة الجوية إيذانًا ببدء المعركة، واستهدفت مواقع وتجمعات للجيش الإسرائيلي في سيناء، وحققت أهدافها وفق ما أُعلن عن نتائج الضربة، بينما فقدت القوات الجوية المصرية عددا من طائراتها، من بينها الطائرة التي كان يقودها عاطف السادات، شقيق الرئيس الراحل أنور السادات.
وفي اللحظة نفسها، كانت المدفعية المصرية تفتح نيرانها بكثافة على طول الجبهة.
أكثر من 2000 مدفع.. الجبهة تشتعل
في التوقيت نفسه تقريبا، شارك أكثر من 2000 مدفع من مختلف الأعيرة في قصف مواقع القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية لقناة السويس.
واستمر القصف المدفعي نحو 53 دقيقة، في واحدة من أكبر عمليات التمهيد النيراني التي سبقت العبور، لتوفير الغطاء للقوات المصرية التي بدأت تتحرك باتجاه القناة.
لم تكن النيران وحدها هي التي تصنع المشهد؛ ففي تلك اللحظات كانت آلاف العناصر تتحرك وفق خطة دقيقة، وكل دقيقة تمر كانت تقرب القوات المسلحة من تحقيق الهدف الأكبر.. العبور إلى الضفة الشرقية للقناة.
الجيشان الثاني والثالث.. عبور تحت النيران
وبالتزامن مع القصف الجوي والمدفعي، بدأت وحدات الجيش الثاني الميداني بقيادة اللواء سعد الدين مأمون، والجيش الثالث الميداني بقيادة اللواء عبد المنعم واصل، عبور قناة السويس على دفعات متتالية.
واستخدمت القوات في عملية العبور أنواعا مختلفة من الزوارق المطاطية والخشبية، بينما واصلت المدفعية توفير الغطاء النيراني للقوات المتقدمة.
كانت لحظة العبور اختبارا حقيقيا للتخطيط والتدريب والانضباط، وكان على الجنود أن يعبروا القناة ويثبتوا رؤوس الكباري، ثم يواصلوا التقدم في مواجهة التحصينات الإسرائيلية.
السادس من أكتوبر 1973 2" title="لحظة انطلاق العبور في السادس من أكتوبر 1973">المهندسون العسكريون.. معركة أخرى خلف خطوط القتال
وبينما كانت القوات تخوض معركة العبور، كان سلاح المهندسين العسكريين يخوض معركة من نوع آخر.
فلم يكن عبور الجنود والمعدات الثقيلة ممكنا دون فتح الثغرات في الساتر الترابي وإقامة الكباري والممرات اللازمة لنقل القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية.
وبحسب البيانات الواردة عن سير العمليات، نجح المهندسون العسكريون في إنشاء أول كوبري ثقيل في نحو الساعة الثامنة مساء، ثم توالت عمليات تجهيز المعابر وتأمين حركة القوات والمعدات.
وبحلول الساعات التالية، كانت القوات الهندسية قد تمكنت من فتح عشرات الممرات في الساتر الترابي، وإنشاء 8 كباري ثقيلة و4 كباري خفيفة، وتشغيل 30 معدية، لتتحول القناة التي كانت تمثل أحد أكبر العوائق أمام القوات المصرية إلى طريق لعبور الرجال والمعدات.

لم تكن مجرد ساعة عبور.. بل بداية ملحمة
وهكذا، لم تكن الساعة الثانية ظهرا مجرد توقيت لانطلاق الهجوم، وإنما كانت لحظة البداية لعملية عسكرية واسعة شاركت فيها القوات الجوية والمدفعية والمشاة والمهندسون العسكريون، كل في موقعه، وفق خطة هدفت إلى تحقيق العبور وتثبيت القوات على الضفة الشرقية.
وفي غضون ساعات قليلة، انتقلت مصر من مرحلة الاستعداد إلى مرحلة الفعل، وبدأت القوات المسلحة تنفيذ واحدة من أبرز عمليات العبور في التاريخ العسكري الحديث.
إنها قصة السادس من أكتوبر.. قصة بدأت في الثانية ظهرا، واستمرت مع كل جندي عبر القناة، وكل مهندس فتح ممرا، وكل مدفع أمن تقدم القوات، وكل شهيد قدم روحه من أجل الوطن.
وتواصل “البوابة نيوز” نشر يوميات حرب العبور العظيم، لرصد تفاصيل الأيام التي تلت السادس من أكتوبر، وما شهدته من معارك وبطولات وتضحيات، وصولا إلى الثامن والعشرين من أكتوبر وما تلاه من تطورات انتهت بوصول قوات الطوارئ الدولية ووقف العمليات العسكرية.

