هناك أبطال “سطروا أسمائهم. في التاريخ بحروف من نور، إنهم أبطال انتصار حرب أكتوبر المجيدة، وظلت أسمائهم ملهمة للأجيال كنماذج للشجاعة وحب الوطن.

اللواء طيار نبيل فؤاد

وبرز اسم اللواء طيار”نبيل فواد” كبطل من أبطال معركة المنصورة الجوي،فلم تكن معركة المنصورة الجوية مجرد اشتباك عسكري في سماء الدلتا خلال حرب أكتوبر 1973، وإنما كانت واحدة من أبرز المواجهات التي كشفت قدرة الطيار المصري على التعامل مع تفوق العدو العددي، وتحويل قلة الإمكانات إلى عنصر قوة أربك الحسابات الإسرائيلية.
اللواء طيار نبيل فؤاد يسرد كواليس معركة المنصورة الجوية
وعقب مرور 53 عاما على حرب أكتوبر، يستعيد اللواء طيار نبيل فؤاد، أحد أبطال القوات الجوية المصرية، تفاصيل الساعات التي وصفها بأنها كانت بمثابة معركة حياة أو موت، مؤكدًا أن الطيارين المصريين دخلوا المواجهة واضعين أمام أعينهم شعار واضحا: «يا قاتل يا مقتول».

68 طائرة في مواجهة هجوم إسرائيلي واسع

اللواء طيار نبيل فؤاد
اللواء طيار نبيل فؤاد

يروي اللواء” نبيل فؤاد” لـ”البوابة نيوز” أن القوات الإسرائيلية كانت تستهدف مطاري المنصورة وطنطا، اعتمادا على كثافة تشكيلاتها الجوية وقدرتها على تنفيذ هجوم واسع على قواعد القوات الجوية المصرية في منطقة الدلتا.
وفي المقابل، كانت القوات الجوية المصرية قد جهزت نحو 68 طائرة مقاتلة موزعة على ثلاثة أسراب؛ اثنان منها في المنصورة وسرب في طنطا، وكانت المسافة بين المدينتين 40 كيلومترا تقريبا، وهي مسافة يمكن قطعها خلال دقائق قليلة بالطائرات.
واضاف فؤاد أن محدودية عدد الطائرات المصرية شجعت الجانب الإسرائيلي على تنفيذ الهجوم بقوة أكبر، إذ شاركت في الهجوم نحو 120 طائرة إسرائيلية موزعة على مجموعتين، في محاولة لضرب القواعد الجوية المصرية وتعطيل قدرتها على مواصلة القتال.
لكن الحسابات الإسرائيلية لم تضع في اعتبارها قدرة الطيارين المصريين على إعادة الاشتباك أكثر من مرة، وهو ما أدى لاحقًا إلى خلق انطباع لدى الجانب الإسرائيلي بأن حجم القوة الجوية المصرية أكبر بكثير من أعدادها الحقيقية.

معركة في السماء.. وإرباك للحسابات الإسرائيلية

ويشير اللواء نبيل فؤاد إلى أن الطائرات الإسرائيلية اقتحمت منطقة مطاري المنصورة وطنطا على ارتفاعات منخفضة، بينما جرى توزيع طائرات إسرائيلية أخرى على الساحل، في المنطقة الواقعة بين جمصة ورأس البر، لتأمين الطائرات المهاجمة ومساندتها خلال تنفيذ الغارة.
إلا أن القوات الجوية المصرية تمكنت من اعتراض الهجوم، ودخلت في اشتباكات متلاحقة مع الطائرات الإسرائيلية، ما أدى إلى تفكيك تشكيلاتها ومنعها من الوصول إلى أهدافها الرئيسية.
ويؤكد فؤاد أن القوات المصرية نجحت في صد النسبة الأكبر من الهجوم، وافشلت الهدف الإسرائيلي الأساسي المتمثل في تدمير مطاري المنصورة وطنطا.
ولم تكن المفاجأة في قدرة الطيارين المصريين على الاشتباك فقط، وانما في قدرتهم على العودة إلى المعركة مرات متتالية.
فبحسب روايته، كان الطيار الواحد يقلع مرتين أو ثلاث مرات خلال فترة المعركة، الأمر الذي أربك أجهزة الرصد والتصنت الإسرائيلية، وجعل الجانب الإسرائيلي يعتقد أن عدد الطائرات المصرية المشاركة في القتال يفوق العدد الحقيقي بأضعاف.
54 دقيقة صنعت فارقًا في سماء الدلتا
استمرت معركة المنصورة الجوية ما يقرب من 54 دقيقة، وتحولت خلالها سماء الدلتا إلى ساحة اشتباك كثيف بين الطائرات المصرية والإسرائيلية.

وأضاف اللواء نبيل فؤاد أن طول المعركة وكثافة الاشتباكات جعلاها واحدة من أبرز المعارك الجوية في التاريخ الحديث آنذاك، خاصة أن القوات المصرية لم تكتف بالدفاع عن مطاراتها، وإنما تمكنت من إرغام الطائرات الإسرائيلية على التراجع وإفشال مهمتها.

«الجندي المجهول» خلف الطائرات

لكن نجاح الطيارين لم يكن منفصل عن دور آخر حدث بعيدا عن سماء المعركة؛ دور الأطقم الهندسية والفنية التي تولت تجهيز الطائرات وإعادتها سريعًا إلى الخدمة.
ويصف فؤاد أفراد الطواقم الأرضية بأنهم كانوا «الجندي المجهول» في المعركة، موضحًا أنهم كانوا يعملون تحت ضغط هائل لتزويد الطائرات بالوقود وإعادة تسليحها وتجهيزها للإقلاع مرة أخرى في زمن قياسي، بلغ نحو ست دقائق في بعض الحالات.
وكان قرب القواعد الجوية من منطقة العمليات عاملا مساعدا في سرعة إعادة الطائرات إلى المعركة، بينما اضطر الطيارون في بعض حالات الاشتباك إلى التخلي عن خزانات الوقود الخارجية لتخفيف وزن الطائرة ومنحها قدرة أكبر على المناورة أثناء القتال.

لماذا كانت المعركة مهمة لما بعد المنصورة؟

وأوضح اللواء نبيل فؤاد، أن معركة المتصورة الجوية لعبت دورا هاما. في الإنتصار في حرب أكتوبر،حيث لم تقتصر عند إسقاط طائرات إسرائيلية أو إجبارها على الانسحاب، وانما امتدت إلى إفشال مخططات عسكرية أوسع كانت تستهدف إحداث خلل في الجبهة المصرية.
فبقاء القواعد الجوية في الدلتا خارج نطاق التدمير حرم القوات الإسرائيلية من تحقيق هدفها في شل جزء مهم من القوة الجوية المصرية، كما ساهم في الحد من قدرة إسرائيل على تطوير تحركاتها في منطقة الثغرة غرب قناة السويس.
ويشير فؤاد إلى أن القوات الإسرائيلية، بقيادة أرييل شارون، كانت تسعى إلى تعميق اختراقها غرب القناة، وصولا إلى مواقع تمكنها من الضغط على الجبهة المصرية، في وقت كانت فيه القوات المصرية تخوض معارك عنيفة على أكثر من محور.
ومن هنا، لم تكن حماية مطاري المنصورة وطنطا مجرد مهمة دفاعية محدودة، انما جزءا من معركة أوسع للحفاظ على قدرة القوات المسلحة المصرية على مواصلة عملياتها.

«أكتوبر» أعاد الثقة إلى الجندي المصري

وأضاف اللواء” نبيل فؤاد” أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد مواجهة عسكرية لاستعادة الأرض،و انما كانت أيضا معركة لاستعادة الثقة والروح المعنوية للقوات المسلحة المصرية بعد سنوات من حرب الاستنزاف.
فقد أثبتت المواجهات أن الجيش المصري قادر على التخطيط والمبادرة والمواجهة، وأن التفوق العسكري الإسرائيلي ليس ضمانا لتحقيق الانتصار.
وبعد انتهاء المعارك الرئيسية، استمرت الاشتباكات والمناورات العسكرية، وصولًا إلى ترتيبات وقف إطلاق النار والمفاوضات التي شارك فيها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر.
من سماء أكتوبر إلى أربعة أيام في الصحراء
وتحمل ذاكرة اللواء نبيل فؤاد واقعة أخرى من سنوات القتال تكشف طبيعة المخاطر التي واجهها الطيارون المصريون.
فخلال حرب الاستنزاف عام 1969، أصيبت طائرته أثناء اشتباك في منطقة هضبة الجلالة، واضطر إلى القفز بالمظلة، ليجد نفسه في الصحراء بعيدًا عن وحدته.
وظل، وفق روايته، أربعة أيام من دون طعام أو شراب، حتى عثر عليه شاب بدوي يدعى سالم، قدم له الطعام والماء وساعد في إنقاذ حياته.
وبعد أن تمكنت إحدى نقاط المراقبة من الاتصال بالقوات الجوية، أُرسلت طائرة مروحية لإعادته إلى القاهرة.