وبينما كان المذيع يحدث مجتمع السائرين على الأقدام عن مزايا السيارات الكهربائية، كنت أشاهد فيلم “معبودة الجماهير”.. أحب دراجة “إبراهيم”، أشعر كأنها كانت بطلة كبقية الأبطال في الرواية، حملت “زغلول هداية” إلى عمله وكانت إطارتها ترقص طربا في أغنيتي “أحبك” و”حاجة غريبة”.
ألم تكن” حاجة غريبة”، أن تترك معبودة الجماهير، سيارتها وتركب “الدراجة” مع إبراهيم لتسمع السماء وهي تغني بعيدا عن أزيز الطائرات وصوت المسيرات وضرب المطارات، ولما لا!، الدراجة كانت تلحق بالأحلام وتأت بالسعادة والطائرات والسيارات الكهربائية على سرعتهما لا يستطيعان الركض خلف الأحلام وكأنهما صنعا خصيصا للسيز في الاتجاه العكسي.
وضع حسين السيد كلمات بسيطة ارتشفها بقلمه من قلوب الناس ووقائع تجاربهم مع “العجلة” كما كانت تسميتها في القرى والمناطق الشعبية.. حتى أن أغاني الأفراح لم تكن تخلو منها لم بترك “السيد” الأسئلة بلا إجابة ولم يخجل من الاعتراف بأن الدنيا هربانة في ليل كله سعادة.
قيل أن مصطفى أمين كاتب الحكاية كان بطلها في يوم من الأيام أمام أم كلثوم.. وأعاد كتابتها ليضع حليم بطلا لنفس الحكاية أمام شادية.. وأنا هنا لست معنيا بحقيقة زواجه منهما من عدمه، ولا بعدم وضعه اسمه علي أفيش الفيلم الذي وقت نزوله كان كامل العدد في السينمات.. لكن ما يشغلني “الدراجة”.. لقد ذهبت وذهبت معها أحلامنا.. شئ ما تغير في أرواحنا.. في الحياة في الفقر الذي كان رغم إقامته الدائمة لا يسرق السعادة من الوجوه.. ربما لأن الدراجة لم تكن تسير بالوقود ولا بالبطاريات الكهربائية لكن بطاقة الحلم وبساطة المشاعر.. كانت الحارة الشعبية ترفض السيارة وكأنها شئ غريب لا يتناسب مع طبيعة وطبائع أهلها وربما دخلهم.. فأرادوا أن يعيشوا فقراء سعداء دون ديون تؤرق مضاجعهم.
لقد صنع الفيلم حالة من “النوستالجيا” الاستباقية، وكأنه كان يعلم أن العصر القادم، سيكون عصر الصخب والمسيرات والسرعة الجافة، فأبقى لنا هذه الصورة لتكون ملاذًا كلما أرهقنا زحام العالم.
لم تكن تلك الدراجة مجرد حديد يُحرّكه بدّال، بل كانت «آلة زمن» تُبطئ حركة العالم لتتسع اللحظة لضحكة أو وشوشة. كانت تحسب المسافات بالشوق لا بـ«الكيلومتر في الساعة»، ولا يحتاج راكبها إلى شاشة لمس ليقيس مدى الرضا، يكفيه أن الهواء يداعب وجهه بلا عوادم، وأن السعادة تجلس خلفه متأبطة ذراعه.
ذهبت الدراجة ولم تعد الأحلام تأتي على هيئة نزهة بسيطة تحت ضوء القمر، لكن بقاء المشهد في الذاكرة يثبت أن الحلم لم يمت بالكامل، بل ما زال ينتظر من يعيد اكتشاف البساطة وسط هذا العالم المزدحم بالضوضاء.
لم نر الدراجة في نهاية الفيلم.. لقد انسحبت في صمت شفيف، تركت الأبطال لنشوة المجد وبريق الأضواء، وكأنها أدت دورها الأخلاقي بامتياز: رممت الإنسانية في قلوبهما، وأصلحت ما أفسدته الظنون، ثم توارت لتترك المكان لزحف العصر. وكأنها تهمس لنا مع تتر النهاية: “كل القمم التي نصل إليها عبر محركات العصر الحديث السريعة تظل باردة وجافة، ما لم تكن جذورها قد نبتت يومًا فوق مقعد دراجة هادئة.. تسير بدفع القلب لا بنقرات البطاريات”.
وكأن لسان حالها يقول:
إديتك أحلى ما في الدنيا إديتك حبي
وأمنتك على راحة بالي
وعلى فرحة قلبي
وفي حضن الشوق والحنية
غمضت عينيَّ شوية
بصيت ولقيتك مش جنبي.
ولقيتني أنا لوحدي..
ويبقى السؤال: ماذا يفعل قلب مازال يعبر الزمن على دراجة في زمن الطائرات!.

