شهدت مدينة بورتو فيكيو بجزيرة كورسيكا الفرنسية، اعتداءً على تمثال للعذراء مريم يعرف محليًا باسم «A Vergine Maria»، كان مقامًا أسفل قوس حجري في دوار «ستابياتشو» عند مدخل المدينة منذ عام 2020.
وأقدم شابان على اقتلاع التمثال من قاعدته وإسقاطه أرضًا، بينما أظهرت مقاطع مصورة جرى تداولها لاحقًا على وسائل التواصل الاجتماعي أحدهما وهو يتسلق التمثال ويقوم بحركات فاضحه، بينما كان الآخر يصور الواقعة. وأكد الادعاء العام الفرنسي أن التخريب كان متعمدًا، فيما باشرت السلطات التحقيق في ظروف الحادث ودوافعه.
وأُلقي القبض على شابين يعملان بصورة موسمية في المنطقة، وتبين أنهما كانا في حالة سُكر شديدة بحسب المعطيات الأولية للتحقيق. وقد أُحيلا إلى النيابة في أجاكسيو، ووجّهت إليهما اتهامات تتعلق بـ«التخريب التمثال بصورة جماعية» و«التعرّي »، مع إخضاعهما للرقابة القضائية ومنعهما من العودة إلى كورسيكا إلى حين محاكمتهما المقررة في 16 نوفمبر المقبل.

لماذا وصف الحادث بأنه «تدنيس»؟

مصطلح «التدنيس» أو Profanation أوسع دلالة من مجرد «التخريب».
فالتخريب يصف الفعل المادي: كسر تمثال أو اقتلاعه أو إتلافه. أما التدنيس فيحمل معنى الاعتداء على شيء ذي قداسة دينية أو التعامل معه بطريقة مهينة تتناقض مع مكانته الرمزية والدينية.
وفي الحالة الكورسيكية، اجتمعت العناصر التي تجعل الوصف شائعًا في الخطاب الكنسي والإعلامي: فالهدف لم يكن تمثالًا عاديًا، وإنما صورة دينية للعذراء مريم، كما تضمنت الأفعال المصورة سلوكًا فاضحًا ومهينًا، قبل اقتلاع التمثال وإسقاطه.
ولهذا وصفت الكنيسة الكاثوليكية في كورسيكا الواقعة بأنها عمل تخريبي خطير وصادم، وأعلنت تضامنها مع رعية بورتو فيكيو، داعية إلى الصلاة من أجل المسؤولين عن الاعتداء.

هل هي جريمة كراهية دينية؟

ليس من الممكن الجزم بذلك حتى الآن.
فالقانون الفرنسي لا يحتاج إلى استخدام تعبير «جريمة كراهية» كتصنيف مستقل لكي يأخذ الدافع الديني في الاعتبار. فالمادة 132-76 من قانون العقوبات الفرنسي تنص على تشديد العقوبة عندما تثبت عناصر تدل على أن الجريمة ارتكبت بسبب انتماء الضحية، الحقيقي أو المفترض، إلى دين معين، أو عندما ترافق الجريمة أقوال أو أفعال تكشف هذا الدافع.
لكن المشكلة في واقعة بورتو فيكيو هي أن الدافع لم يُحسم بعد.
فوجود السلوك الفاضح واستهداف تمثال ديني يمكن أن يشيرا إلى ازدراء للرمز المسيحي، لكنهما لا يكفيان وحدهما لإثبات أن المتهمين ارتكبا الفعل بدافع كراهية المسيحيين أو العداء للدين المسيحي. وقد يكون التحقيق مطالبًا بتحديد ما إذا كان الدافع دينيًا، أو مجرد تخريب تحت تأثير الكحول، أو استعراضًا عبثيًا صُوّر ونُشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
وهنا يجب عدم الخلط بين أمرين: أن الفعل استهدف رمزًا دينيًا، وأن مرتكبيه كانوا مدفوعين بكراهية أتباع هذا الدين.
الأول واضح من طبيعة الهدف، أما الثاني فيحتاج إلى إثبات قضائي.

فرنسا.. ظاهرة أوسع من حادث كورسيكا.

مع ذلك، تأتي الواقعة في سياق أوسع من الاعتداءات على الرموز والأماكن المسيحية في فرنسا.
فبحسب أحدث حصيلة نشرتها وزارة الداخلية الفرنسية، سُجل 843 فعلًا معاديًا للمسيحيين خلال عام 2025، بزيادة 9% مقارنة بعام 2024. وشكلت الاعتداءات على الممتلكات 87% من هذه الأفعال، بينما مثلت الاعتداءات الجسدية واللفظية وأعمال الكراهية عبر الإنترنت 13%. ولفتت الوزارة إلى أن هذه الفئة الأخيرة ارتفعت بنسبة 70% خلال 2025.
وفي الإجمال، أحصت السلطات الفرنسية قرابة 2500 فعل معادٍ للأديان خلال 2025، بينها 1320 فعلًا معاديًا لليهود و843 ضد المسيحيين و326 ضد المسلمين. وهذه الأرقام، بحسب الوزارة، هي حصيلة رصد للاتجاهات وليست «إحصاءً مؤسسيًا» بالمعنى الإحصائي الصارم.
وتكشف الأرقام في الوقت نفسه أن الاعتداءات الدينية في فرنسا لا تستهدف جماعة واحدة فقط، وهو أمر مهم في قراءة المشهد بعيدًا عن التعميم؛ فقد ارتفعت الأفعال المعادية للمسلمين بنسبة 88% خلال 2025، بينما تراجعت الأفعال المعادية لليهود بنسبة 16% لكنها ظلت عند مستوى وصفته وزارة الداخلية بأنه تاريخي الارتفاع.

وقائع مشابهة.

واقعة بورتو فيكيو ليست معزولة من حيث استهداف الرموز المسيحية.
ففي أغسطس 2025، تعرضت كنيستان في ضاحية باريس، هما كنيسة سانت مارت-دي-كواتر-شومان في بانتان وكنيسة سان-إيف في لا كورنوف لأعمال تخريب على يد شخص واحد، وفق أبرشية سان دوني. وشملت الأضرار تحطيم أربع تماثيل، بينها تمثالان للمسيح وتمثال للقديسة مارثا وتمثال للعذراء مريم، إلى جانب إتلاف أثاث ومحتويات داخل الكنيسة.
وتشير تقارير حديثة عن كورسيكا نفسها إلى حوادث أخرى طالت رموزًا مسيحية، بينها الاعتداء على صورة للعذراء في مزار مريمي بجنوب فرنسا خلال يونيو 2026، وتشويه صليب على قمة جبل في جبال الألب الفرنسية خلال أغسطس، بحسب تقارير تناولت حادث بورتو فيكيو.
غير أن المقارنة بين هذه الحوادث يجب أن تتم بحذر؛ فليس كل اعتداء على كنيسة أو تمثال ديني جريمة كراهية، ولا تكشف الأضرار المادية وحدها عن دوافع مرتكبيها.

لماذا أثارت واقعة كورسيكا غضبًا واسعًا؟

السبب يتجاوز قيمة التمثال المادية.
فالعذراء مريم تحتل مكانة شديدة الخصوصية في الثقافة الدينية والشعبية الكورسيكية، ولذلك اعتبرت قطاعات من المجتمع المحلي أن الاعتداء لم يستهدف قطعة فنية فحسب، وإنما رمزًا حاضرًا في الذاكرة الدينية والثقافية للجزيرة.
وتحوّل الغضب سريعًا إلى تجمعات أمام مقر الشرطة، بل وصل إلى حد وضع تابوت يحمل أسماء المشتبه بهما، في مشهد دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات لحمايتهما ونقلهما من الجزيرة. وحذّر مسؤولون وشخصيات محلية من تحويل الغضب إلى انتقام أو عدالة شعبية.
وهذه الجزئية مهمة أيضًا في التقرير، لأنها تكشف مفارقة الحادث لاعتداء على رمز ديني أدى إلى اعتداء آخر محتمل على مفهوم سيادة القانون، عندما تحولت مشاعر الغضب إلى مطاردة للمشتبه بهما ودعوات للانتقام.

بين «التدنيس» و«حرية التعبير».

تفرض الواقعة سؤالًا حساسًا في فرنسا، الدولة التي تقوم جمهوريتها على مبدأ العلمانية وحرية المعتقد.
العلمانية الفرنسية لا تعني أن الرموز الدينية مباحة للتخريب، ولا أن الملكية العامة أو الخاصة يمكن الاعتداء عليها باسم حرية التعبير. وفي الوقت نفسه، لا يعني وجود رمز ديني في المجال العام أن أي إساءة إليه تصبح تلقائيًا جريمة «كراهية دينية».
المعيار القانوني يظل مرتبطًا بالفعل المرتكب، والضرر الواقع، والعناصر التي تثبت الدافع، والظروف المصاحبة للجريمة.
وفي هذه القضية تحديدًا، فإن توجيه اتهامات بالفعل إلى التخريب الجسيم الجماعي والعرض الجنسي، بدل إعلانها منذ البداية جريمة كراهية دينية، يعكس أهمية انتظار نتائج التحقيق والمحاكمة قبل القطع بالدافع.

«التدنيس».. مفهوم ديني وقانوني في آن واحد.

من الناحية الدينية، يعني التدنيس تحويل ما هو مقدس إلى موضوع للإهانة أو السخرية أو التعامل العدائي المتعمد. ولذلك تستخدم الكنائس المصطلح عندما يتعلق الأمر بالاعتداء على القربان المقدس أو الكنائس أو المذابح أو الصور والتماثيل التي تؤدي وظيفة دينية.
أما قانونيًا في فرنسا، فلا ينبغي افتراض أن كلمة «تدنيس» هي وحدها اسم جريمة مستقلة تنطبق تلقائيًا على كل حادث من هذا النوع. فالفعل قد يدخل تحت قوانين التخريب والإتلاف وقد تضاف إليه أوصاف أخرى بحسب طبيعة السلوك، وقد تُشدد العقوبة إذا ثبت الدافع الديني وفق الشروط التي يحددها القانون.