قال الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إن التحركات الاقتصادية المصرية خلال المرحلة الحالية تعكس توجهًا واضحًا نحو توسيع قاعدة الشركاء الدوليين، وتنويع مصادر الاستثمار والأسواق، والاستفادة بصورة أكبر من الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية والبنية الأساسية التي تمتلكها الدولة، بما يسمح بتحويل هذه المقومات إلى استثمارات ومشروعات إنتاجية وعوائد مستدامة للاقتصاد.
وأوضح الشوربجي في تصريحات خاصة لموقع “البوابة نيوز”، أن التحركات المصرية قد تبدو موزعة بين عدد من الملفات، مثل عضوية تجمع “بريكس”، وإعادة تطوير قطاع التعدين، وتعزيز الحضور الاقتصادي داخل القارة الأفريقية، إلا أنها في الواقع تتكامل ضمن استراتيجية واحدة تستهدف توسيع شبكة العلاقات الاقتصادية وتحويل الشراكات السياسية والدبلوماسية إلى مصالح اقتصادية واستثمارات فعلية.
وأشار إلى أن الأرقام تعكس أهمية هذا المسار، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر ودول تجمع “بريكس” إلى نحو 53.5 مليار دولار خلال عام 2025، بينما بلغت استثمارات دول التجمع في مصر نحو 6.2 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025، وهو ما يعكس اتساع حجم المصالح المشتركة ووجود فرص إضافية للنمو خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن الحضور المصري في قمة “بريكس” الثامنة عشرة في نيودلهي جاء في إطار هذا التوجه، مع التركيز على تعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والنقل وسلاسل الإمداد، مؤكدًا أن اللقاءات الثنائية التي تعقد على هامش مثل هذه القمم لا تقل أهمية عن الاجتماعات الرسمية، لأنها تفتح الباب أمام تحويل العلاقات بين الدول إلى مشروعات وشراكات اقتصادية مباشرة.
وأكد الشوربجي أن العلاقات المصرية الهندية تمثل نموذجًا واضحًا للفرص المتاحة، خاصة مع استهداف رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 12 مليار دولار، إلى جانب جذب المزيد من الاستثمارات الهندية إلى السوق المصرية في قطاعات ذات أولوية، من بينها التصنيع والتكنولوجيا والطاقة النظيفة وصناعة السيارات.
وأوضح أن تنويع الشركاء والأسواق لم يعد خيارًا ثانويًا للاقتصاد المصري، وإنما أصبح ضرورة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وإعادة تشكيل سلاسل التجارة والاستثمار الدولية، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك مجموعة من المقومات التي تؤهلها للقيام بدور مركز إنتاج وتصدير إقليمي، في مقدمتها الموقع الجغرافي، وقناة السويس، وشبكة الموانئ، والبنية الأساسية، وحجم السوق المحلية.
وأضاف أن هذه المقومات يمكن أن تمنح مصر ميزة تنافسية في جذب الشركات الدولية التي تبحث عن قواعد إنتاج قريبة من أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، شريطة الاستمرار في تحسين مناخ الاستثمار وتقليل تكاليف ممارسة الأعمال وتعزيز القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية.
وقال الشوربجي إن قطاع التعدين يأتي في مقدمة القطاعات القادرة على ترجمة الشراكات الدولية إلى استثمارات حقيقية على الأرض، خاصة في ظل ما تمتلكه مصر من موارد وثروات معدنية متنوعة.
وأشار إلى أن الاهتمام الرسمي بقطاع التعدين ظهر بوضوح خلال افتتاح النسخة الخامسة من منتدى مصر للتعدين في سبتمبر 2026، بمشاركة شركات عالمية ومسؤولين وخبراء من دول متعددة، حيث تركزت الجهود على تقديم الفرص التعدينية المصرية بصورة أكثر جاذبية للمستثمرين، بالتوازي مع تطوير منظومة القطاع وتحسين البيئة الاستثمارية والتنظيمية.
ولفت إلى أن تطور ملف التعدين لم يعد يقتصر على الترويج للفرص، وإنما بدأ ينعكس في حجم الإقبال على الطروحات الجديدة، إذ تقدمت 119 شركة بأكثر من 403 عروض للاستثمار في القطاعات التعدينية المطروحة، وهو ما يعكس تزايد الاهتمام بالفرص المتاحة في مصر، خاصة في مجالات الذهب والفوسفات وغيرها من الخامات المعدنية.
وشدد الشوربجي على أن الرهان الحقيقي في قطاع التعدين لا ينبغي أن يتوقف عند استخراج الذهب أو المعادن وتصديرها في صورتها الأولية، وإنما يجب أن يمتد إلى زيادة القيمة المضافة وتوطين التكنولوجيا وربط أنشطة التعدين بالصناعة والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.
وأوضح أن الهدف هو تحويل المورد الطبيعي من مجرد خام قابل للتصدير إلى نواة لنشاط اقتصادي متكامل يخلق صناعات جديدة ويوفر فرص عمل ويرفع الصادرات ويزيد العائد الذي تحصل عليه الدولة من مواردها الطبيعية.
وأضاف أن استهداف الحكومة رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 6% يعكس حجم الرهان على هذا القطاع خلال السنوات المقبلة، لكن تحقيق هذا المستهدف يتطلب نجاح عمليات الاستكشاف في التحول إلى إنتاج فعلي، ثم الانتقال من مرحلة الإنتاج إلى إقامة صناعات مرتبطة بالخامات والثروات المعدنية.
وأشار إلى أن منجم السكري يمثل أحد أبرز الأمثلة على الإمكانات الاقتصادية التي يمكن أن يوفرها قطاع التعدين، إذ بلغ إنتاج المنجم نحو 500 ألف أوقية خلال عام 2025، بينما تجاوزت عوائد مصر منه 590 مليون دولار خلال عام واحد، وفق البيانات الواردة في الملف نقلًا عن تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة “أنجلو جولد أشانتي”.
وقال الشوربجي إن أهمية التحرك المصري لا تقتصر على استغلال الثروات المعدنية المحلية، وإنما تمتد إلى بناء حضور اقتصادي وتعديني أوسع داخل أفريقيا، في ظل امتلاك القارة احتياطيات وموارد ضخمة تحتاج في الوقت نفسه إلى التمويل والتكنولوجيا والخبرات والبنية الأساسية والأطر التنظيمية القادرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
وأوضح أن إطلاق “منتدى الهيئات التنظيمية للمعادن الأفريقية” من القاهرة يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، باعتباره منصة للتعاون وتبادل الخبرات بين الجهات التنظيمية المعنية بالتعدين في الدول الأفريقية، والعمل على تطوير التشريعات والأطر المنظمة للقطاع وتحسين قدرته على جذب الاستثمارات.
وأضاف أن هذه الخطوة يمكن أن تفتح المجال أمام الشركات المصرية للحصول على فرص أوسع داخل الأسواق الأفريقية، ليس فقط في مجال التعدين المباشر، وإنما أيضًا في القطاعات المرتبطة به، مثل مشروعات البنية الأساسية والنقل والطاقة والخدمات اللوجستية والاستشارات الفنية والهندسية.
وأكد الشوربجي أن هناك تكاملًا واضحًا بين مسارات التحرك الاقتصادي المصري؛ فتجمع “بريكس” يوفر شبكة أوسع من الشركاء والأسواق والاستثمارات، بينما يتيح قطاع التعدين فرصة لتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، في حين تمثل القارة الأفريقية مجالًا واسعًا أمام الشركات المصرية للتوسع وبناء شراكات جديدة.
وأضاف أن العائد المتوقع من هذه التحركات لا يجب اختزاله في حجم رؤوس الأموال التي يمكن جذبها، لأن الاستثمار الأجنبي والمحلي يؤدي كذلك إلى توفير فرص عمل، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، وزيادة الإنتاج والصادرات، وفتح أسواق جديدة أمام الشركات المصرية، فضلًا عن رفع القيمة المضافة للموارد الطبيعية بدلًا من تصديرها في صورتها الخام.
وأوضح أن القيادة السياسية وضعت ملف الاستثمار والتعدين والشراكات الدولية ضمن الملفات ذات الأولوية، سواء من خلال المشاركة في القمم الاقتصادية والدولية الكبرى، أو المتابعة المباشرة لملف التعدين، أو دعم السياسات الرامية إلى تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات.
وأكد أن الهدف النهائي من هذه التحركات يجب أن يتمثل في تحويل العلاقات الدولية والشراكات الإقليمية إلى نتائج اقتصادية ملموسة تظهر في صورة زيادة الإنتاج والاستثمار والتشغيل والصادرات وتحسن قدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي.
وحذر الشوربجي من أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء القمم والمنتديات والتوقيع على مذكرات التفاهم، مشددًا على أن المؤشرات الإيجابية لا تصبح ذات قيمة اقتصادية كاملة إلا عندما تتحول إلى مشروعات تدخل حيز التنفيذ بالفعل.
وأضاف أن عمليات الاستكشاف يجب أن تتحول إلى إنتاج، والإنتاج إلى صناعات ذات قيمة مضافة، بينما ينبغي أن تتحول الشراكات الدولية إلى استثمارات طويلة الأجل، حتى ينعكس النشاط الخارجي لمصر بصورة مباشرة على معدلات النمو والتشغيل والإنتاج.
وأشار إلى أن جوهر التحرك المصري في المرحلة الحالية يتمثل في الاستفادة من عضوية “بريكس” لتوسيع دائرة الشركاء، ومن قطاع التعدين لتعظيم قيمة الثروات الطبيعية، ومن العمق الأفريقي لفتح أسواق ومجالات جديدة أمام الشركات والاستثمارات المصرية.
واختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح هذه الاستراتيجية لن يُقاس بعدد القمم أو الاتفاقيات، وإنما بقدرة الاقتصاد المصري على تحويل الفرص إلى مشروعات، والشراكات إلى استثمارات فعلية، والثروات الطبيعية إلى منتجات وصناعات ذات قيمة مضافة، بما يؤدي في النهاية إلى بناء قاعدة إنتاجية أكثر قوة وتحقيق عائد اقتصادي مستدام.
وأكد أن المعادلة الأساسية خلال المرحلة المقبلة تتمثل في “شراكات أوسع، واستثمارات أكبر، وثروات تتحول إلى قيمة مضافة وعائد مستدام”، وهو ما يمكن أن يعزز قدرة الاقتصاد المصري على النمو والتوسع ومواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.

