في كل عام، ومع حلول ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، تستعيد الذاكرة المصرية صورًا لا تنسى من صفحات الحرب، لكن تظل هناك صورة واحدة استطاعت أن تختصر مشاعر الملايين في لحظة واحدة؛ جندي مصري يقف على الضفة الشرقية لقناة السويس، ممسكًا بسلاحه، رافعًا يده في فرحة بالنصر، وكأن الصورة تقول إن سنوات الانتظار انتهت، وإن الأرض التي احتلها العدو عادت إلى أصحابها.
صاحب هذه الصورة الخالدة هو المقاتل عبد الرحمن أحمد عبد اللاه القاضي، ابن مدينة المراغة بمحافظة سوهاج، وأحد أبطال الكتيبة 212 في الفرقة 19 مشاة. وقد تحولت صورته إلى واحدة من أشهر الصور التي وثقت لحظات العبور والانتصار في حرب أكتوبر 1973.
من المراغة إلى جبهة القتال
بدأت رحلة عبد الرحمن القاضي العسكرية في 4 أكتوبر عام 1967، عقب تخرجه، عندما التحق بالقوات المسلحة، وبدأ تدريبه في سلاح المدرعات، قبل أن يتخصص في الاتصالات السلكية واللاسلكية، ثم استقر ضمن الكتيبة 212 بالفرقة 19 مشاة، التي كان مقرها بالكيلو 16 طريق القاهرة–السويس.
لم تكن حرب أكتوبر بالنسبة إليه أول مواجهة مع العدو، فقد شارك في حرب الاستنزاف، وعاش سنوات طويلة على الجبهة، وهي السنوات التي صنعت جيلًا من المقاتلين ظل حلمه الأساسي هو استعادة الأرض ورد الاعتبار للجيش المصري بعد نكسة 1967.
لحظة صنعت أيقونة
مع انطلاق حرب أكتوبر وعبور القوات المصرية قناة السويس وتحطيم خط بارليف، كان عبد الرحمن القاضي بين الجنود الذين عبروا إلى الضفة الشرقية.
وفي صباح 7 أكتوبر، وبعد العبور، التقطت عدسات المصورين الحربيين صورة القاضي في لحظة عفوية تمامًا؛ يظهر فيها ممسكًا بسلاحه، رافعًا يده، وملامح الفرح والانتصار واضحة على وجهه.
لم يكن الجندي وقتها يعرف أن تلك اللقطة ستتجاوز حدود المكان والزمان، وأن صورته ستصبح بعد سنوات واحدة من أهم الرموز البصرية لحرب أكتوبر، وستتناقلها الصحف ووسائل الإعلام باعتبارها تجسيدًا صادقًا لفرحة الجندي المصري بالعبور والانتصار.
واللافت أن قيمة الصورة لم تأتِ من كونها لقطة عسكرية فقط، وإنما لأنها نقلت إحساسًا إنسانيًا حقيقيًا؛ فرحة مقاتل عاش سنوات الحرب والاستنزاف، ثم وجد نفسه في لحظة النصر على أرض سيناء.
بطل عاد إلى حياته الطبيعية
بعد انتهاء الحرب، لم يتحول عبد الرحمن القاضي إلى شخصية تبحث عن الأضواء، بل عاد إلى حياته المدنية، وعمل موجهًا بالمرحلة الابتدائية في التربية والتعليم حتى إحالته إلى المعاش.
وظلت قصة الصورة حاضرة في ذاكرة المصريين، بينما عاش صاحبها بعيدًا عن صخب الشهرة، إلى أن رحل في 23 مايو 2019 بمدينة المراغة في سوهاج.
وبعد رحيله، أطلقت محافظة سوهاج اسمه على أحد ميادين مدينة المراغة، تقديرًا لدوره وبطولته، وتخليدًا لاسم أحد أبناء المحافظة الذين شاركوا في كتابة واحدة من أهم صفحات التاريخ المصري الحديث.
صورة لا تموت
لم تكن صورة عبد الرحمن القاضي مجرد صورة لجندي يحتفل بالنصر، وإنما أصبحت ذاكرة كاملة لجيل خاض الحرب وانتظر لحظة العبور.
وفي كل مرة تعود فيها الصورة إلى الشاشات والصحف، يعود معها صوت أكتوبر: جندي مصري عبر القناة، رفع سلاحه فرحًا، وترك للتاريخ صورة تختصر معنى الانتصار.
رحل عبد الرحمن القاضي، لكن صورته بقيت؛ شاهدة على لحظة من أغلى لحظات المصريين، وعلى بطولة آلاف الجنود الذين صنعوا النصر، حتى أصبحت ابتسامة ذلك الجندي رمزًا خالدًا لفرحة مصر في يوم استرداد الكرامة والأرض.

