في ظهيرة السادس من أكتوبر لم تكن مصر وحدها على موعد مع التاريخ. كان في دمشق من يراقب عقارب الساعة بالقلق نفسه، وفي الرياض والكويت وأبوظبي والجزائر وبغداد من ينتظر نبأً طال انتظاره. فحرب أكتوبر، وإن حملت بصمة القرارين المصري والسوري، لم تكن حرب جيشين فحسب، بل لحظة نادرة التقت فيها إرادات العواصم العربية على هدف واحد بعد سنوات من الانقسام والمرارة. منذ هزيمة 1967 كان الجرح يبحث عن علاج، وجاءت قمة الخرطوم لتضع حجر الأساس: لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض. ثم تتابعت الخطوات حتى بلغت ذروتها في أكتوبر، حين اجتمع السلاح والنفط والخطط في معركة واحدة. وفي هذا المقال نتتبع كيف صنعت القاهرة ودمشق، ومن ورائهما الأمة، أوسع تضامن عربي في تاريخنا الحديث.

عُقدت قمة الخرطوم بين أواخر أغسطس ومطلع سبتمبر 1967 والأمة تضمّد جراحها. وقد أقرّت إلى جانب «اللاءات الثلاث» دعمًا ماليًا سنويًا لدول المواجهة، تعهدت به السعودية والكويت وليبيا. بعد رحيل جمال عبد الناصر وتولي أنور السادات الحكم عام 1970، اتجهت القاهرة إلى ترميم العلاقات العربية، فنشطت اتصالاتها بالملك فيصل بن عبد العزيز في الرياض، وبالرئيس حافظ الأسد في دمشق، وبالرئيس الجزائري هواري بومدين. وكان إعلان اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وسوريا وليبيا عام 1971 خطوة رمزية سبقت الفعل الحقيقي. وفي سبتمبر 1973 جمعت قمة القاهرة السادات والأسد والملك حسين، وأُعيدت بها العلاقات السورية الأردنية بعد قطيعة، كي لا تبقى حلقة في السلسلة مفقودة عند ساعة المعركة.

لم يكن التنسيق مع سوريا إعلانًا سياسيًا بل عملًا عسكريًا دقيقًا. فقد أنشأت القيادتان قيادة عسكرية مشتركة، وتولى الفريق أول أحمد إسماعيل علي القيادة العامة للقوات المصرية، وعمل معه رئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي. وفي دمشق كان وزير الدفاع مصطفى طلاس ورئيس الأركان اللواء يوسف شكور. وجرت اللقاءات في سرية بالغة بين الأسد والسادات وكبار القادة، وتقرر أن يكون الهجوم في السادس من أكتوبر، وهو اليوم العاشر من رمضان. وبرزت خلافات عملية حول ساعة الصفر، فرغبت دمشق في الفجر واتجهت القاهرة إلى الغروب، حتى استقر الرأي على الثانية بعد الظهر. وتشير روايات لاحقة إلى تباينات في فهم الطرفين لأهداف الحرب ومداها. لكن الثابت أن الجيشين تحركا في لحظة واحدة، وأن مفاجأة العدو كانت مشتركة.

حين اندفعت الدبابات السورية في الجولان، وتسلل رجال الصاعقة إلى مرصد جبل الشيخ، كانت القوات المصرية تعبر القناة وتحطم خط بارليف. ووجدت القيادة الإسرائيلية نفسها أمام جبهتين متزامنتين، فأعطت الأولوية في الأيام الأولى للجبهة الشمالية، وهو قرار منح القوات المصرية فرصة ترسيخ مواقعها شرق القناة. وفي المقابل أدت الضغوط الإسرائيلية على الجبهة السورية في الأيام التالية إلى جعل الوضع هناك أشد حرجًا. وجاء قرار تطوير الهجوم المصري شرقًا يوم 14 أكتوبر، وهو قرار ما زال موضع جدل بين المؤرخين، وتذكر روايات أن من دوافعه تخفيف الضغط عن سوريا. وأيًا كان تقدير ذلك، فقد أثبتت الأيام الأولى أن تنسيق الجبهتين كان ركنًا من أركان خطة الحرب لا هامشًا فيها.

لم يقتصر التضامن على الخطابات. فقد تدفقت إلى ساحات القتال قوات عربية، منها فرقة مدرعة عراقية وألوية من الأردن والمغرب والسعودية إلى الجبهة السورية، وأسراب طائرات ودبابات جزائرية، وطائرات «ميراج» ليبية، وقوات كويتية وسودانية وتونسية على الجبهات المختلفة. وقد وصل بعضها بعد أن استقرت خطوط القتال، لكن أثرها العملي والمعنوي كان بالغًا، ورسّخ في الوجدان أن المعركة معركة الأمة. وإلى جانب القوات جاء التمويل، إذ ساهمت دول عربية في دفع ثمن الأسلحة السوفييتية، وانطلق منذ 10 أكتوبر جسر جوي سوفييتي لتعويض خسائر الجيشين المصري والسوري. وهكذا جمعت الحرب مال الخليج ورجال المغرب العربي وسلاح الشرق في خندق واحد.

وجاء الميدان الثالث بعيدًا عن جبهات القتال. ففي 16 أكتوبر رفعت دول الخليج المنتجة سعر النفط المعلن رفعًا كبيرًا، وفي اليوم التالي اجتمع وزراء النفط العرب في الكويت وقرروا خفض الإنتاج بنسبة خمسة في المئة شهريًا حتى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. وحين طلب الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون من الكونغرس نحو 2.2 مليار دولار مساعدات لإسرائيل، أعلنت السعودية في 20 أكتوبر وقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة، وتبعتها دول عربية أخرى. وأعلن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وقف تصدير نفط أبوظبي، ويُنسب إليه قوله إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي. وقد أحدثت الخطوة زلزالًا اقتصاديًا عالميًا، إذ تضاعفت الأسعار قرابة أربعة أضعاف بنهاية العام، وسارعت العواصم الغربية إلى إعادة حساباتها. وظل الحظر ساري المفعول حتى مارس 1974، وأسهم، إلى جانب انتصارات الميدان، في دفع الدبلوماسية الدولية إلى الاهتمام بالقضية.

علّمتنا أكتوبر أن الانتصار لا ينبت من جبهة واحدة. فالجندي الذي عبر القناة، والمدرعة السورية في الجولان، والبرميل الذي توقف عن التدفق، كلها حلقات في سلسلة واحدة. وصحيح أن هذا التضامن لم يدم طويلًا، وأن الخلافات عادت بعد الحرب، لكن التجربة بقيت شاهدًا على أن الأمة حين تتفق تستطيع أن تغير مجرى الأحداث. وكان في ذلك ما يعدل جزءًا غير قليل من قيمة الانتصار نفسه.