القاهرة – مع اقتراب عيد الأضحى، يتزايد الطلب على اللحوم في مصر بشكل ملحوظ حيث يسعى المواطنون لشراء الأضاحي واللحوم الجاهزة، وسط تباين في الأسعار بين اللحوم البلدية والمستوردة، مما يثير قلق الأسر ويؤثر على قراراتهم الشرائية اليومية في ظل ضغوط معيشية متزايدة.

ورغم الارتفاعات في الأسعار، لا تزال الأسر تبحث عن بدائل أقل تكلفة، حيث يظل الطلب على اللحوم مرتفعًا استعدادًا للعيد، وهو ما يعكس أهمية هذا الموسم الاستهلاكي بالنسبة للمواطنين، رغم التحديات الاقتصادية التي يواجهونها.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

تتعدد أنواع اللحوم المتاحة في الأسواق المصرية، حيث تعتبر اللحوم البلدية الأغلى سعرًا، إذ يصل سعر كيلو الضأن إلى نحو 560 جنيها (حوالي 11.6 دولارا)، بينما يبلغ سعر كيلو العجالي حوالي 400 جنيه (نحو 8.3 دولارات).

تأتي اللحوم المستوردة من السودان وبعض الدول الأفريقية في المرتبة الثانية، وتختلف أسعارها وفقًا لبلد المنشأ وتوقيت الاستيراد، وتتوفر حاليًا لحوم نيجيرية بأسعار تتراوح بين 220 و330 جنيها (نحو 4.5 و6.8 دولارات) للكيلو.

أما اللحوم البرازيلية، التي كانت الأكثر رواجًا في مواسم الأعياد، فقد شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار منذ رمضان الماضي، نتيجة اضطرابات إقليمية وتغيرات في حركة الاستيراد وسلاسل الإمداد، بالإضافة إلى ارتفاع سعر الدولار، مما أدى إلى زيادة تقارب 100 جنيه (1.8 دولار) في سعر الكيلو لبعض القطع المستوردة.

Sheep rest inside a livestock enclosure at a market ahead of Eid al Adha as Tunisian consumers face rising prices and reduced purchasing power in Tunis, Tunisia on May 19, 2026. The image reflects the economic difficulties affecting the traditional purchase of sacrificial animals during the religious holiday. (Photo by Imen Ben Youssef / Hans Lucas / AFP via Getty Images)
اللحوم البرازيلية من أكثر الأنواع تأثرا بارتفاع الأسعار خلال موسم الأعياد في مصر (غيتي)

“نبحث عن لحوم بأسعار مناسبة”

يتكرر هذا السؤال مع اقتراب كل موسم عيد عبر مجموعات التواصل الخاصة بالأحياء والمناطق السكنية: أين نجد لحومًا بأسعار مخفضة؟

السؤال يتردد في المناطق الراقية مثل التجمع الخامس، والمتوسطة مثل المعادي، والشعبية مثل دار السلام والسيدة زينب، حيث تبحث جميع الفئات الاجتماعية عن بدائل مناسبة رغم اختلاف القدرة الشرائية.

الشكوى الأكثر شيوعًا هي أن الأسعار وصلت لمستويات مرهقة لكثير من الأسر.

تقول منال عصفور (55 عامًا) من منطقة المعادي، إن الأسعار ارتفعت بشكل مبالغ فيه، مشيرة إلى أن سعر كيلو الضأن وصل إلى نحو 600 جنيه (حوالي 12.5 دولار) في بعض المنافذ، بعدما كان في حدود 400 جنيه (7.4 دولارات) قبل فترة قصيرة.

وتضيف أن اللحوم المستوردة، التي كانت تعتمد عليها بشكل أساسي، أصبحت مرتفعة الثمن، وعند سؤالها للتجار عن أسباب الارتفاع تأتيها الإجابة المتكررة “المضيق (مضيق هرمز) مقفول ولا يوجد استيراد”.

السبب نفسه يذكره حسام، شاب ثلاثيني يعمل في أحد المجمعات الكبرى لبيع اللحوم المستوردة، حيث يقول إن الموسم الحالي مختلف عن الأعوام السابقة، إذ لم تبدأ تجهيزات العيد إلا مع دخول شهر ذي الحجة، بينما كانت تبدأ عادة في منتصف ذي القعدة، بسبب تغيرات الأسعار المستمرة نتيجة التوترات الإقليمية وتقلبات سعر الدولار.

ويضيف حسام أن الأسعار شهدت زيادات متفاوتة، تتراوح بين 70 جنيها (1.3 دولار) في بعض قطع اللحم المفروم واللحوم البرازيلية، وتصل إلى نحو 100 جنيه (1.8 دولار) في بعض قطع لحم الضأن المستورد الهندي والبرازيلي، بينما تصل بعض قطع لحم العجل السوداني إلى نحو 350 جنيها (نحو 7.3 دولارات) للكيلو.

ويشير إلى أن الأسعار ترتفع بطبيعة الحال خلال موسم العيد، وقد تشهد استقرارًا أو تراجعًا بعد انتهائه، في حال استقرار سعر الدولار وهدوء الأوضاع الإقليمية.

sheep feeding on the grasses in egypt country side; Shutterstock ID 1684381174; purchase_order: سs; job: s; client: s; other:
الأسعار في سوق اللحوم بمصر تختلف بين البلدي والمستورد بحسب بلد المنشأ وتوقيت الاستيراد (شترستوك)

الزيادة سببها الدولار وليس المضيق

يقول رئيس شعبة القصابين بالغرف التجارية بالقاهرة مصطفى وهبة إن السوق المصرية لا تعاني نقصًا في اللحوم، مؤكدًا توفر جميع الأنواع بأسعار متفاوتة تناسب شرائح مختلفة من المستهلكين.

ويضيف وهبة في تصريح للجزيرة نت أن المواطن محدود الدخل يمكنه الحصول على لحوم سودانية من منافذ وزارة الزراعة أو منافذ القوات المسلحة بسعر يقارب 220 جنيها (4.1 دولار) للكيلو، بينما تصل أسعار اللحوم البلدية إلى نحو 350 جنيها، في حين شهدت اللحوم البرازيلية ارتفاعًا طفيفًا مرتبطًا بتغيرات سعر الدولار، وليس نتيجة أي إغلاق في الممرات البحرية.

ويؤكد رئيس شعبة القصابين أن الارتفاع في أسعار اللحوم لا يختلف عن باقي السلع الغذائية، مثل الدواجن، إذ يرتبط بشكل أساسي بارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة، والتي تتأثر مباشرة بسعر الدولار.

وفي المقابل، يشير إلى أن بعض التجار قد يستغلون الظروف الاقتصادية لرفع الأسعار بنسب أعلى من المعتاد، إلا أن ذلك لا يمثل التسعير العام في السوق، لأن هامش الربح يختلف من منطقة إلى أخرى ومن تاجر لآخر.

مصطفى وهبة، رئيس شعبة القصابين بالغرف التجارية بالقاهرة
مصطفى وهبة: ارتفاع أسعار اللحوم في مصر مرتبط أساسا بارتفاع أسعار الأعلاف والتي تستورد بسعر الدولار (الجزيرة)

الجزارون ليسوا السبب

على مدار 25 عامًا، يمكن تتبع التحولات في سوق الأضاحي في مصر من خلال تغيرات واضحة في أسعار الماشية واللحوم.

ففي عام 2005، كان سعر كيلو العجول الجاموسي (قائم) لا يتجاوز 14 جنيها (حوالي 0.3 دولار)، بينما كان سعر الضأن حوالي 16.5 جنيها (حوالي 0.34 دولار)، مما يعكس حجم الفارق الكبير مقارنة بالأسعار الحالية.

تشير البيانات خلال السنوات الأخيرة إلى علاقة طردية بين ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه وارتفاع أسعار اللحوم بمختلف أنواعها، سواء المحلية أو المستوردة، وهو ما ينعكس أيضًا على أسعار الأعلاف ومدخلات الإنتاج داخل السوق المحلية.

خلال العام الماضي فقط، سجلت أسعار الأضاحي من الجاموس زيادة بنحو 9%، بينما ارتفعت أسعار العجول بنحو 11%، في حين سجل الضأن زيادة تقارب 9% مقارنة بعام 2023.

يؤكد جابر شلبي، أحد أعضاء غرفة القصابين بالقاهرة، صحة المعطيات السابقة، قائلاً إن الارتفاعات الحالية لا يتحملها الجزارون، وإنما تعود بالأساس إلى تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، إضافة إلى التحديات التي تواجه قطاع الثروة الحيوانية.

يشير شلبي في تصريح للجزيرة نت إلى أن تراجع الاهتمام الحكومي بدعم المربين، وتوقف بعض البرامج الداعمة مثل مشروع البتلو (العجل)، كان له تأثير مباشر على تقليص الإنتاج المحلي من اللحوم.

يضيف أن استمرار الاعتماد على الاستيراد دون تعزيز الإنتاج المحلي يجعل السوق أكثر عرضة لتقلبات الأسعار، وهو ما يؤثر في النهاية على المستهلك.

يطرح شلبي مجموعة من الحلول، من بينها تشجيع تربية الماشية، وتقديم حوافز للمربين، وتوفير السلالات بأسعار مناسبة، إلى جانب التوسع في زراعة المحاصيل العلفية، وتحسين الخدمات البيطرية، وتوسيع دور التعاونيات الزراعية.

يرى عضو غرفة القصابين في القاهرة أن معالجة هذه التحديات قد تساهم في تقليل أزمة أسعار اللحوم، التي تتجدد مع كل موسم عيد، دون حلول جذرية حتى الآن.