عانت العملات العالمية من ضغوط متزايدة في ظل تصاعد أزمة الطاقة، حيث أظهرت بيانات جديدة أن العملات الأسوأ أداءً تأتي من دول تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، مما يثير قلق المستثمرين حول استقرار الأسواق المالية والقرارات الاقتصادية اليومية، وفقًا لتقرير لوكالة بلومبرغ نيوز.
تصدرت قائمة العملات المتضررة الجنيه المصري والبيزو الفلبيني والوون الكوري الجنوبي والبات التايلاندي، بينما حققت عملات مثل الريال البرازيلي والتينغي الكازاخستاني والنايرا النيجيري مكاسب، وهي عملات تنتمي لدول تصدّر النفط، مما يعكس التباين الواضح في تأثير أزمة الطاقة على الاقتصادات المختلفة.
هذا التباين يسلط الضوء على كيفية تطور أزمة الطاقة الحالية، حيث بدأت الدول الكبرى المستوردة للنفط في استنزاف احتياطياتها المالية منذ إغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى تآكل هوامشها المالية، إذ لجأت حكومات عدة إلى خفض الضرائب ورفع الدعم عن الوقود لتخفيف الأثر على المستهلكين، بينما تتراجع احتياطيات النقد الأجنبي بسرعة مع ارتفاع فاتورة الواردات من النفط والغاز، دون زيادة في عائدات الصادرات.
في مارس الماضي، خفض محللو جي بي مورغان توصية البنك بشأن عملات الأسواق الناشئة والديون بالعملة المحلية من “زيادة الاستثمارات” إلى “الإبقاء على مستوى الاستثمارات”، بعد اندلاع الحرب، حيث لا تزال حالة الضبابية قائمة بالنسبة للاقتصادات الناشئة بعد ستة أيام من بدء الصراع.
لحظة حاسمة تلوح في الأفق
يبدو أن الاقتصاد العالمي يقترب من نقطة تحول حرجة، ففي الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط عالميًا، دعا رئيس الوزراء ناريندرا مودي المواطنين إلى ترشيد استهلاك الوقود، كما رفع الرسوم على واردات الذهب والفضة للحفاظ على ميزان المدفوعات، حيث أكد مودي أن الوقت حان لاستخدام البنزين والديزل والغاز بحذر شديد للحفاظ على العملة الأجنبية.
وفي تركيا، التي تعتمد على الواردات لتلبية أكثر من 70 بالمئة من استهلاكها من الطاقة، شهدت احتياطيات النقد الأجنبي أكبر انخفاض شهري مسجل في مارس الماضي، بينما تراجعت الروبية في إندونيسيا إلى مستويات أدنى من تلك التي سجلتها خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1998، مما يعكس هشاشة الاقتصاد أمام تداعيات الحرب، وفقًا لوكالة بلومبرغ.
علاقة معقدة بين الطاقة والعملات
بحسب وكالة بلومبرغ نيوز، أشار الخبير الاقتصادي فيليب فيرليجر إلى أن الترابط الوثيق بين أسواق الطاقة والعملات يمثل أحد العوامل التي تجعل هذه الأزمة مختلفة عن سابقاتها، ففي سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت الولايات المتحدة مستورداً صافياً للنفط، أدت صدمات النفط إلى ضعف الدولار، مما خفف من أثر الأزمة على الدول الأخرى، بينما اليوم، انعكست المعادلة، حيث أصبحت الولايات المتحدة مورداً رئيسياً للنفط والغاز، مما يعزز قوة الدولار.
هذا يعني أن الدول الناشئة في آسيا التي تفتقر إلى موارد الطاقة المحلية تواجه ارتفاع أسعار النفط وتكاليف أكبر للحصول على الدولار اللازم لشراء هذه الإمدادات.
دعوة نحو التحول إلى الطاقة النظيفة
في هذا السياق، يبدو أن الحكومات حول العالم متأخرة في تبني بدائل الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية، حيث تمثل الأزمة الحالية جرس إنذار مزدوج، فهذه التقنيات ليست فقط ضرورية لمواجهة تغير المناخ، بل تمثل أيضًا السبيل الأكثر استدامة للخروج من الاعتماد المزمن على الوقود الأحفوري.
أعباء مالية متفاقمة
في ظل هذه الضغوط، تكافح عدة دول لتحقيق التوازن المالي، ففي إندونيسيا، تحاول الحكومة تفادي خرق قانون يحدد سقف عجز الموازنة عند 3 بالمئة من الناتج المحلي، بينما تستعد الحكومة في تايلاند لزيادة الديون عبر اقتراض نحو 150 مليار بات لتغطية عجز صندوق الوقود، وفي الهند، تتكبد شركات النفط الحكومية خسائر يومية تصل إلى 10 مليارات روبية نتيجة بيع الوقود بأسعار أقل من التكلفة.
المركبات الكهربائية… بارقة أمل
رغم هذه التحديات، تشهد المركبات الكهربائية انتشاراً متزايداً، حيث تجاوزت نسبة السيارات الكهربائية بالكامل 30 بالمئة من إجمالي المبيعات في إندونيسيا وتايلاند خلال فبراير الماضي، وفي الهند، قفزت المبيعات بنسبة 41 بالمئة في أبريل مقارنة بالعام السابق، بينما تشكل عربات “الريكشا” الكهربائية نحو 60 بالمئة من إجمالي هذا السوق.
فرصة لإعادة ضبط المسار
يرى خبراء أن هذه اللحظة تمثل فرصة لإعادة توجيه السياسات، ففي الدول التي لا تزال تدعم الوقود، يمكن توجيه الموارد المالية نحو إلغاء الرسوم على استيراد السيارات الكهربائية ودعم شرائها، والتخلص التدريجي من المركبات التقليدية، حيث أن تكلفة هذه الخطوات أقل بكثير من الكلفة المتراكمة لاستيراد النفط على مدى سنوات.
تحول تاريخي محتمل
الأمر ذاته ينطبق على الغاز الطبيعي المسال، الذي يعد مصدراً مكلفاً وغير مستقر للطاقة، بينما تواصل مصادر الطاقة المتجددة تقويض جدواه الاقتصادية، وفي الشرق الأوسط، قد تؤدي التقنيات النظيفة إلى تغيير قواعد اللعبة عبر إتاحة طاقة أرخص وأكثر استدامة للدول المستهلكة، وفي حال اغتنام هذه الفرصة، قد يكون العالم على موعد مع تحول تاريخي، بحيث لا تتحول أزمة الطاقة المقبلة إلى أزمة عملات بل إلى شيء مختلف.

