ليست جميع الملفات الاقتصادية متشابهة؛ فهناك ما يتعلق بأرقام الموازنة، وأخرى تتعلق بحقوق الأفراد ومدخراتهم. من بين هذه القضايا، تظل مسألة أموال التأمينات والمعاشات واحدة من أكثر القضايا حساسية، حيث تمس ملايين المصريين الذين خصصوا جزءًا من دخولهم على مدار سنوات طويلة، على أمل أن يجدوا في نهاية مسيرتهم العملية معاشًا يحفظ لهم كرامتهم.
لذا، ينبغي أن لا تبقى هذه القضية أسيرة الروايات المتضاربة أو تُختزل في حوار إعلامي عابر، بل تستحق توضيحًا كاملًا للحقيقة. كما يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
كان كثيرون يتوقعون من لميس الحديدي، خلال استضافتها للدكتور يوسف بطرس غالي، أن تنحاز إلى حق الرأي العام في المعرفة بدلاً من الانحياز للعلاقات الشخصية أو ذكريات الصداقة. كان من المتوقع أن تطرح الأسئلة الجوهرية حول القضية بدلاً من التركيز على هوامشها، وأن تواجه ضيفها بالأسئلة التي يطرحها ملايين أصحاب المعاشات منذ سنوات.
لماذا لم تسأله عن كيفية نشوء التشابكات المالية بين أموال التأمينات والخزانة العامة؟ ولماذا لم تطلب منه تفسير ضم بنك الاستثمار القومي، الذي كانت تُودَع فيه أموال التأمينات، إلى المنظومة الاقتصادية التي كانت تخضع لإدارته؟
ولماذا لم تناقشه في مصير العوائد التي كان يُفترض أن تحققها تلك الأموال؟ ولماذا لم تعرض أمام المشاهد الروايات المختلفة، بما في ذلك ما صدر عن مسؤولين سابقين، حتى يتمكن الجمهور من تكوين صورة مكتملة بدلاً من الاعتماد على رواية واحدة؟
لم يكن المطلوب من لميس الحديدي أن تدين أحدًا أو تصدر حكمًا، وإنما كان عليها ممارسة الدور الطبيعي للإعلام. فالإعلام لا يملك سلطة الإدانة لكنه يملك سلطة السؤال. وإذا تخلى عن طرح الأسئلة في القضايا الكبرى، فمن سيتولى طرحها؟ هل يجوز أن يشعر ملايين أصحاب المعاشات بأن الأسئلة التي تؤرقهم لم تجد طريقها إلى الحوار بينما كان من حقهم سماعها مطروحة بوضوح واحترام؟
في المقابل، يُدعى يوسف بطرس غالي لتقديم رواية موثقة للرأي العام. كيف نشأت هذه التشابكات المالية أصلًا؟ وعلى أي أساس قانوني استُخدمت أموال التأمينات لتمويل احتياجات الدولة أو استثمارها؟
هل كانت العوائد التي تحققت تتناسب مع حجم هذه الأموال؟ وإذا كانت السياسات المتبعة آنذاك صحيحة، فلماذا انتهى الأمر بعد سنوات إلى اعتراف الدولة بوجود مديونيات متراكمة استوجبت إصدار قوانين لتسويتها وجدولتها؟ وكيف يرد على الانتقادات التي تشير إلى أن القيمة الحقيقية لأموال أصحاب المعاشات تآكلت مع الزمن والتضخم رغم ثبات قيمتها الاسمية؟
ومن حق الرأي العام أيضًا أن يسمع ردًا واضحًا من يوسف بطرس غالي على كل ما أثير خلال السنوات الماضية بشأن هذه القضية. يتوجب عليه توضيح حقيقة القرارات التي اتُّخذت والجهات التي شاركت فيها والأسس التي بُنيت عليها. فالوثائق وحدها هي التي تُنهي الجدل؛ أما الاكتفاء بالنفي أو تبادل الاتهامات فلن يزيد المشهد إلا غموضًا.
إن الدولة نفسها اعترفت لاحقًا بوجود تشابكات مالية بين الخزانة العامة وصناديق التأمينات وسعت إلى تسويتها عبر تشريعات خاصة. وهذا يطرح سؤالاً لا يمكن تجاوزه: إذا لم تكن هناك أزمة، فلماذا احتاجت الدولة لهذه التسويات؟ وإذا كانت الأزمة موجودة، فمن المسؤول عن نشأتها؟ وكيف حُفظت حقوق أصحاب المعاشات طوال تلك السنوات؟
إن هذه الأسئلة ليست محاكمة لأحد ولا دفاعًا عن أحد؛ بل هي محاولة للاقتراب من الحقيقة التي يستحقها ملايين المصريين. فلا ينبغي إعفاء لميس الحديدي من مسؤولية السؤال ولا يوسف بطرس غالي من مسؤولية الإجابة. فالأمانة لا تسقط بالتقادم والحقوق لا تموت بالصمت والتاريخ لا يُكتب بالروايات المجتزأة بل يُكتب بالصدق وتوثقه الوثائق وتحسمه الحقيقة.
كانت لميس أضعف ما تكون في حوارها مع بطرس غالي وهو ما لم نتعوده منها.

