بول كروجمان (Paul Krugman)، المولود عام 1953 في نيو أورليانز، ليس مجرد صحفي أو مراقب سياسي أمريكي عابر؛ بل هو قمة من قمم الفكر الاقتصادي الأكاديمي في العصر الحديث. حائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 2008 تقديرًا لأبحاثه الرائدة في التجارة الدولية والجغرافيا الاقتصادية، حيث فسر كيف تبني وفورات الحجم وتركز الثروة الخريطة التجارية للعالم.
درّس كروجمان في أعرق الجامعات الأكاديمية مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجامعة برينستون، وهو صاحب قلم الرأي الأبرز في صحيفة نيويورك تايمز على مدار ربع قرن.
لا أعتبر أن الاختلاف الشديد مع إدارة دونالد ترامب وليد خصومة شخصية أو انحياز حزبي ضيق، بل ينبثق من رؤية أكاديمية عميقة تحذر من تقويض مؤسسات الدولة. فقد رأى كروجمان في سياسات ترامب الجمركية تحولًا عشوائيًا يحول الاقتصاد من القواعد الدولية إلى دولة الريع والابتزاز.
كما ندد بمحاولات المساس باستقلالية البنك المركزي (الاحتياطي الفيدرالي)، وحذر من هبوط واشنطن إلى مستنقع التضخم الجامح أو ما أسماه “الزمابيقية” (Zimbabwify)، أي تضخم مماثل لما حدث في موزامبيق.
وفي نظره، يعتمد ترامب على النزوات الشخصية وردود الأفعال اللحظية دون الأخذ بعين الاعتبار نصائح واقتراحات الخبراء، مما يمثل مقدمة لكارثة أكبر تمس الأمن القومي وتهدد ركائز الإمبراطورية.
هزيمة من نوع آخر: حين لا تجد المدافع ما تأكله
تساءل كروجمان في مقاله الأخير عن الفرق بين انكسارات الماضي والهزيمة الحالية. ففي فيتنام وأفغانستان، خاضت الولايات المتحدة حروبًا استنزفت روحها، وخرجت المروحيات من سايغون وكابول تحت وطأة السخط الشعبي الداخلي. وحين أصبحت الأنظمة العميلة أو المتواطئة مع أمريكا عبئًا لا يطاق، لم تكن الهزيمة هناك تكبيدًا عسكريًا صريحًا للجيش الأمريكي في ميدان النزاع المباشر.
أما في المواجهة الأخيرة مع إيران، فقد أصبحت الصورة مغايرة تمامًا، فهي أقرب ما تكون إلى الهزيمة العسكرية الصريحة في مفهومها الاستراتيجي الحديث. لم تتراجع واشنطن ترفًا، ولا استجابةً لغضب الشارع الأمريكي ضد الحرب، ولا خشية من شلل الاقتصاد جراء إغلاق مضيق هرمز أو ارتفاع الفوائد والعجز المالي؛ إذ طالما أبدى ترامب تصريحات لا تبالي بتلك التكلفة المادية والسياسية.
إن السبب الحقيقي والداهم، وفق ما توثقه التقارير الاستخباراتية والعسكرية الصادمة، هو أن أمريكا نفد عتادها العسكري: لقد استُنفدت الذخائر الذكية والصواريخ المتقدمة كصواريخ “باتريوت” بأكثر من نصف مخزونها الاستراتيجي. بات الاستمرار في إطلاق النار يعني انكشاف الظهر الأمريكي عالميًا.
إن استبدال هذا المخزون المهدور يستلزم سنوات طويلة قد تمتد حتى عام 2029، مما أوقع المؤسسة العسكرية في ورطة وجودية. وبدلًا من مواجهة الحقيقة بشجاعة، لجأت الإدارة إلى نفي العجز والتهديد بسجن من يسرّب واقع المخازن الفارغة؛ وهو رد فعل يعتبره كروجمان بمثابة “اعتراف ضمني صريح” بعمق المأزق وحجم الهوان.
أوهام القوة وثقافة الصمت: كيف سقط البنتاجون في الفخ؟
يحلل كروجمان بلغة قاسية وبالنقد الجذور الهيكلية لهذه الهزيمة، مبينًا أن أمريكا هُزمت بأيدي قادتها قبل أن تهزمها الصواريخ الإيرانية. لقد قام نهج القيادة السياسية والدفاعية ممثلة ببيت هيغسيث ودونالد ترامب على عقيدة عسكرية بدائية تعتقد أن الرجولة الاستعراضية والتحلي بمستويات عالية من “التستوستيرون” كفيلة بحسم المعارك الحديثة.
تناست هذه القيادة أن الحرب اليوم هي حرب خوارزميات وطائرات مسيرة رخيصة التكلفة مدعومة بالذكاء الاصطناعي ومخزونات استراتيجية مدارة بعناية؛ وليس مجرد استعراض للقوة وتحدٍّ خاوٍ من مضمون التخطيط.
تسبب هذا النهج الأعمى في تكرار نفس خطأ القيادة الروسية في حرب أوكرانيا؛ حيث طغت ثقافة التخويف وتطهير البنتاجون من الكفاءات الوطنية المستقلة لصالح الموالين سياسيًا. أُقيلت الكفاءات العسكرية المرموقة والضباط الذين عملوا على تحديث الجيش واستيعاب دروس الطائرات المسيرة واستُبدلوا بقيادات تفتقر للنزاهة وتخشى نقل الأخبار السيئة إلى البيت الأبيض.
لقد تشكلت ثقافة صمت خنق فيها صوت الحق وحُجبت خريطة الواقع الحقيقي ونقص الذخائر عن صناع القرار. فعميت الأبصار حتى وقعت الواقعة ووجدت القوات الأمريكية نفسها بلا غطاء عتادي يكفي لاستمرار المعركة. بل إن الواقع المر المصري أبان حرب 1976 وبيانات “أحمد سعيد” طالما أتذكرها وأنا أسمع عن التعتيم المتعمد للخسائر التي يعاني منها الجيش الأمريكي الآن.
بداية النهاية للإمبراطورية الأمريكية
إن المعنى العميق لهذه الهزيمة يتجاوز مجرد التراجع التكتيكي في مياه الخليج؛ إنه يعلن شروق عصر جديد وأفول آخر. فالإمبراطوريات لا تسقط بالضرورة بغزو خارجي يكتسح عواصمها؛ بل تتآكل وتتداعى من الداخل حين تفسد مؤسساتها وتتآكل مصداقيتها وتعجز عن حماية هيبتها ومكانتها العليا.
إن التجربة الإيرانية أثبتت للعالم أجمع أن ردع القوة العظمى يمكن حدوثه ليس بالندية المباشرة بل بتعريتها وإظهار حدود قوتها وضعف مقاومتها. عندما تستنزف قوة بحجم الولايات المتحدة ذخائرها الاستراتيجية أمام قوة تعتبر من الدرجة الثالثة إقليميًا وتبدو عاجزة عن حماية سفنها وممراتها المائية دون التضحية بأمنها القومي الشامل، فإن الرسالة الموجهة للقوى المنافسة كشبه القارة الصينية وروسيا هي أن “العملاق يمشي بأقدام من فخار”.
دروس من قاع المستنقع
يرى كروجمان أن الحسنة الوحيدة وسط هذا الركام هي أن واشنطن تراجعت قبل أن تغرق في مستنقع بري يبتلع آلاف الأرواح الأمريكية بلا طائل. غير أن هذا التراجع كشف غطاء الزيف عن مؤسسة عسكرية تم إضعافها وتفكيك احترافيتها بسرعة مذهلة جراء الفساد والنرجسية السياسية والتخريب المؤسسي.
إن التعافي من هذه الصدمة الاستراتيجية لن يكون مسألة سنوات قليلة لإعادة ملء مستودعات الذخيرة؛ بل يتطلب إعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة وإحياء روح القتال والجسارة. وتبقى حرب أمريكا وإيران المحطة التي أطلعتنا فيها بوضوح على الحقيقة المرة: أن الجيوش الأمريكية لم تعد تلك القوة الغاشمة التي لا تُقهر؛ بل إن السقوط قد بدأ بالفعل ليكون خطوة أولى ومفصلية نحو نهاية إمبراطورية أرهقتها أوهام القوة من الداخل.

