تحتفظ الصحراء الغربية في محافظة الوادي الجديد بإحدى أكثر الطرق الأثرية غموضًا في مصر، وهو درب أبو بلاص، الذي يمتد لنحو 400 كيلومتر بين عين أصيل بالواحات الداخلة وهضبة الجلف الكبير.
يُروى هذا الطريق، عبر محطاته المتناثرة، قصة طويلة لحركة القوافل القديمة منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الإسلامي، بما يضمه من أوانٍ فخارية، ونقوش صخرية، ومخازن للمؤن، وعلامات إرشادية ساعدت المسافرين في عبور قلب الصحراء.

وقال محمود عبد ربه، المتخصص في التراث الواحاتي، في تصريحات خاصة لـ«مصراوي»، إن تسمية درب أبو بلاص تعود إلى إحدى أهم محطات الطريق، حيث عُثر على أكوام كبيرة من الأواني الفخارية المعروفة محليًا باسم “البلاص”، قبل أن ينتقل الاسم من المحطة إلى الطريق ككل.

تبدأ الرحلة من عين أصيل وتمتد جنوب غرب الصحراء الغربية حتى تصل إلى صخرة مري الواقعة على بعد نحو 89 كيلومترًا. تحتوي هذه الصخرة على نقوش قديمة تحمل اسم شخص يُدعى “مري”، بالإضافة إلى بقايا فخارية تعود إلى الدولة القديمة وعصر الانتقال الأول وفترات تاريخية لاحقة.
وبحسب الدكتور يوسف صبري، المتخصص في الدراسات الأثرية المصرية، فإن أعمال المسح الأثري رصدت في نطاق صخرة مري عشرة مواقع أثرية تؤكد استمرار استخدام درب أبو بلاص عبر عصور متعددة منها الدولة الحديثة والعصرين الروماني والإسلامي.

بعد نحو 129 كيلومترًا من عين أصيل، تظهر محطة يعقوب التي تُعتبر إحدى أبرز محطات الطريق التي ارتبطت بخدمة القوافل القديمة.
وأشار الدكتور يوسف صبري إلى أن الموقع يضم مخزنًا رئيسيًا للمؤن وملاجئ صخرية صغيرة ومواضع لإشعال النار، بالإضافة إلى استراحات كانت تُستخدم لإقامة القوافل لليلة أو أكثر.

كما تضم المحطة علامات منحوتة على الصخور تُرجح أنها استخدمت لحساب عدد الأيام التي قضتها القوافل في الموقع أو لشحذ الأدوات الحجرية. بالإضافة إلى دوائر حجرية ربما خُصصت لإطعام الدواب أثناء الرحلات.

قال بهجت أبو صديرة، مدير آثار الوادي الجديد السابق، إن محطة أم العلامات تضم واحدة من أبرز العلامات الإرشادية على درب أبو بلاص بارتفاع يقارب المترين. ويُعتقد أنها كانت تستخدم لإرشاد المسافرين أو مراقبة الطريق.
وأضاف أن العثور على أوانٍ كبيرة للعجين والتخزين بسعة تزيد عن 50 كيلوجرامًا يؤكد وجود نشاط منظم لدعم القوافل القديمة ويبرز أهمية محطات الدرب كنقاط للإمداد والاستراحة.

تمثل محطة خوفو إحدى أهم محطات درب أبو بلاص حيث تمنح الطريق بُعدًا ملكيًا واضحًا. تشير النقوش إلى بعثات خرجت إلى الواحات خلال عهد الأسرة الرابعة لجلب مواد طبيعية يُعتقد أنها أكاسيد ملونة استخدمت في الكتابة والرسم.
تحمل صخور الموقع خرطوش الملك خوفو بجوار معبود الصحراء “إجاي” وخرطوش الملك جدف رع. كما تم العثور على أدوات صوانية وخرز مصنوع من قشر بيض النعام وطبعات أختام طينية وأماكن إقامة صغيرة تعكس تنوع الأنشطة البشرية على الطريق.

في عام 1918 ظهرت أولى الاكتشافات الكبرى للأواني الفخارية في محطة أبو بلاص قبل أن يواصل الباحث جون بول أعمال الكشف في مارس عام 1923.
وأشار الدكتور يوسف صبري إلى أن دراسة المكتشفات كشفت عن أكثر من مائة آنية فخارية تعود إلى نهاية الدولة القديمة وعصر الانتقال الأول وكان العديد منها في حالة جيدة عند اكتشافها شمال وشرق التل الصخري المعروف باسم “تل الفخار”.

وتضم المنطقة أيضًا نقوشًا لحيوانات ومناظر من حياة الإنسان القديم مثل مشهد لشخص يطارد غزالًا بمساعدة كلبين وآخر يصور بقرة ترضع صغيرها بالإضافة إلى بقايا تنتمي إلى حضارة الشيخ مفتاح.

في عام 1999 سلك الرحالة الألماني كارلو برجمان درب أبو بلاص باستخدام الإبل وتمكن من رصد نحو 30 محطة وموقعًا لتجمعات الفخار على امتداد الطريق.
استكمل أعضاء مشروع “أكاسيا” هذه الجهود وأدرجوا جميع المحطات المكتشفة ضمن خريطة شاملة للمسح الأثري بينما احتفظت بعض المواقع بأسمائها مثل صخرة مري ويعقوب وخوفو وأبو بلاص والناهود بينما حملت مواقع أخرى أرقامًا فقط.

تعد محطة الناهود آخر المحطات الرئيسية والأقرب إلى هضبة الجلف الكبير إذ تبعد نحو 359 كيلومترًا عن عين أصيل بينما تصل المسافة الكاملة حتى الجلف الكبير لنحو 400 كيلومتر.
وتضم المحطة تجمعات من الأكواب والأطباق والسلطانيات والجرار الكبيرة وترجع بقاياها الفخارية للدولة القديمة وعصري الانتقال الأول والثاني مما يؤكد استمرار استخدام الطريق عبر فترات تاريخية متعاقبة.

قال الدكتور عبد المنعم حنفي، أستاذ الجغرافيا المتفرغ بجامعة بورسعيد، إن العلامات الحجرية انتشرت على امتداد درب أبو بلاص سواء فوق المرتفعات أو في المناطق المنبسطة لتوجيه المسافرين وحمايتهم من الضياع في الصحراء الغربية.
وأوضح أن هذه العلامات كانت تُقام في صورة كتل حجرية كبيرة موضوعة رأسيًا أو أكوام من الأحجار الصغيرة مما يعكس وجود نظام دقيق لتنظيم حركة القوافل وتيسير رحلات الذهاب والعودة.

وأضاف أن درب أبو بلاص لم يكن مجرد طريق تجاري بل مثل ممرًا حضاريًا وثقافيًا حفظ آثار الإنسان ونشاطه اليومي بدايةً من الصيد وتخزين المؤن وصولًا للرحلات الملكية والتبادل التجاري بين الواحات والمناطق البعيدة.