شهد الوسط الغنائي المصري في السنوات الأخيرة حالة ملحوظة من التخبط الفني والجدل المتزايد، متأثرًا بموجة عارمة من الانتقادات التي وجهها النقاد والجمهور على حد سواء لمستوى الشعر الغنائي. تجلت الأزمة في حالة من الضعف المضموني والجمالي التي سيطرت على كتابات العديد من الشعراء، نتيجة تفشي ظاهرة “الاستسهال” والبحث عن تصدر “الترند” والنجاح السريع، دون الالتفات إلى تقديم قيمة فنية ذات معنى حقيقي أو مضامين عميقة تثري الوجدان. وهو ما أسفر بدوره عن انتشار حالة حادة من الفقر الفني في المعاني والأفكار المطروحة عبر الساحة الغنائية.

تجسدت هذه الأزمة بوضوح مع إطلاق عدد من أبرز نجوم الغناء في مصر والوطن العربي لألبوماتهم الغنائية الجديدة خلال الأسابيع القليلة الماضية؛ وهي الأعمال التي كان الشارع والجمهور ينتظرونها على أحر من الجمر. غير أن المفاجأة تمثلت في اتسام كلمات تلك الأغنيات بتكرار نفس الموضوعات المستهلكة وبمصطلحات تتسم بالسطحية الشديدة، مما أثار موجة عارمة من الجدل والتباين بين صفوف المعجبين والنقاد الموسيقيين.

وتزداد علامات الاستفهام تعقيدًا بالنظر إلى أن هؤلاء المطربين الكبار يمتلكون القدرة على انتقاء أفضل النصوص وأجود النتاجات الشعرية الغنائية من شتى بقاع الوطن العربي ومن مختلف المدارس والاتجاهات. مما يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جوهرية تفرض نفسها على الساحة: هل تعكس هذه الركاكة المستوى الفني الفعلي للكلمة والغناء في مصر حاليًا؟ أم أن اللجوء إلى هذه النصوص السطحية بات خيارًا إنتاجيًا وفنيًا متعمدًا لمواكبة موجات السوشيال ميديا و”ركوب الترند” على حساب الجودة والقيمة الفنية؟

وتحدثت “فيتو” مع عدد من الشعراء ونقاد الموسيقي لكشف أبعاد هذه الأزمة في الأغنية المصرية خلال السنوات الأخيرة.

مدحت العدل: الساحة مليئة بالمواهب.. والأزمة تكمن في انخفاض معايير الاختيار وتدني ثقافة بعض المطربين

نفى السيناريست والشاعر مدحت العدل وجود أي نقص أو عجز في أعداد الشعراء الموهوبين القادرين على صياغة كلمات راقية، مؤكدًا أن المشكلة الأساسية تكمن في هبوط المعايير الفنية واختلاف ذائقة الاختيار لدى قطاع عريض من المطربين في الوقت الراهن.

وأوضح العدل أن الساحة الفنية لا تزال تمتلك شعراء ذوي موهبة استثنائية، يسطرون نصوصا غنائية عالية الجودة والجمالية الفنية. غير أن التدني الملحوظ في المستوى الثقافي لعدد كبير من المغنين الجدد أصبح عائقًا رئيسيًا في تحديد نوعية الأغاني المطروحة، إذ بات الفنان يختار تلقائيًا ما يتناسب فقط مع حدود معرفته وثقافته ورؤيته السطحية للأشياء، وهو ما ينعكس سلبًا على المنتج الغنائي النهائي.

وعقد العدل مقارنة بين الحاضر والماضي، مستشهدًا برواد الفن وأساطين الغناء العربي، وفي مقدمتهم كوكب الشرق أم كلثوم والعندليب عبد الحليم حافظ. مشيرًا إلى أن رموز العصر الذهبي كانوا يتسلحون بخلفية ثقافية واسعة مكنتهم من انتقاء النصوص الشعرية بدقة. بل وكانوا يشاركون بوعي في مناقشة أدق التفاصيل اللغوية وتقديم المقترحات والتعديلات على الكلمات قبل الدخول إلى استوديوهات التسجيل، مما أثمر عن ولادة أعمال غنائية خالدة عابرة للأجيال ولا تزال تعيش في وجدان المستمعين حتى يومنا هذا.

وأشار العدل إلى أن غالبية المطربين المتواجدين على الساحة الآن يفتقرون إلى تلك الخلفية الثقافية التي تتيح لهم القدرة على التمييز الفني الواعي بين النص الراقي والنص العادي أو الهابط. مما أدى إلى تغير معايير الجودة بين الأمس واليوم. وشدد على أن أصل المشكلة لا يتوقف عند حدود الشعراء بل يكمن لدى الجهة التي تنتقي الكلمات وتملك سلطة القرار النهائي في تقديمها للجمهور.

وأكد العدل أن بعض الشعراء الكبار قد يضطرون أمام متطلبات السوق الملحة ورغبات المطربين التجارية إلى كتابة نصوص تتماشى مع السائد، رغبة منهم في ضمان الاستمرارية والتواجد في الساحة الفنية، وهو ما قد يدفعهم إلى الابتعاد عن المستوى الذي يستطيعون تقديمه إذا توفرت لهم الظروف المناسبة.

أشرف عبد الرحمن: انتشار أغاني المهرجانات واستخدام الذكاء الاصطناعي سبب “سطحية” الشعر الغنائي

بينما أكد الدكتور أشرف عبد الرحمن، أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، أنه لا يمكن بأي حال إصدار حكم مطلق يقضي بأن الشعر الغنائي يمر بحالة ضعف مطلق. موضحًا أنه حرص مؤخرًا على الاستماع لأحد الألبومات الغنائية الحديثة التي أثارت حالة واسعة، مؤكداً أن الألبوم تضمن بالفعل أكثر من أغنية نالت إعجابه واستحسانه على المستوى الفني.

وأرجع أستاذ النقد سبب حالة الفقر الفني التي بات يستشعرها المتابع للمشهد الموسيقي وانتشار الكلمات السطحية إلى تشكل نمط جديد من الذوق العام لدى الشارع. وبناءً على هذا التحول يسعى العديد من الشعراء لمسايرة الأذواق السائدة حاليًا، خاصة مع الانتشار الكثيف لأغاني المهرجانات خلال السنوات الأخيرة؛ إذ يتوهم البعض أن هذا هو المنتج الفني الذي يبحث عنه المستمع تحت شعار “الجمهور يريد ذلك”، معتقدين خطأ أنهم يقدمون لوناً غنائياً شعبياً بينما هو بعيد عن ذلك.

وأضاف عبد الرحمن أن كثيراً من كتاب الأغنية باتوا يعتقدون أن اعتماد هذه الكلمات السطحية يقربهم أكثر من وجدان الشارع باعتبار أن الأغنية تعتمد على كلمات سهلة ومباشرة وقريبة من الأعمال التي تتصدر منصات التواصل الاجتماعي وتتحول إلى “ترند”.

وكشف الناقد عن أبعاد أخرى لتفاقم الأزمة مشيرًا إلى لجوء بعض الكتاب مؤخرًا للاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لكتابة النصوص الغنائية؛ حيث يكتفي الكاتب بتوجيه أوامر للبرنامج ليطلب منه “تأليف أغنية شعبية” لتقوم تلك البرامج بالصياغة فوريًا. ورغم وصفه لهذه الظاهرة بالمؤسفة إلا أنه شدد على صعوبة الجزم بشكل قاطع وحاسم بشأن ما إذا كان النص مصنوعاً بواسطة برامج الذكاء الاصطناعي؛ لذلك لا يمكن توجيه أصابع الاتهام لأي طرف.

وأكد عبد الرحمن أن المستوى الإبداعي العام لدى الشعراء شهد تراجعاً ملموساً مقارنة بالمراحل السابقة. موضحاً أن الأسماء التي تكتب لكبار نجوم الساحة الغنائية مثل عمرو دياب وتامر حسني وغيرها هي ذات الأسماء التي تتكرر سنويًا دون تجديد يذكر أو ضخ دماء جديدة منذ عدة سنوات.

مصطفى حمدي: القاموس التقليدي استُهلك ولا يتحمل الشعراء المسؤولية وحدهم

من جانبه اختلف الناقد الموسيقي مصطفى حمدي مع فكرة وجود تراجع حقيقي في مستوى الكلمة الشعرية. مؤكدًا إن القضية أكثر تعقيدًا مما يبدو للوهلة الأولى حيث إن المشكلة لا تتمثل فقط في ضعف الكلمات وإنما أيضًا استهلاك القاموس الغنائي التقليدي الذي دفع عددًا من الشعراء للبحث عن مفردات جديدة تأثرت بموجة أغاني المهرجانات واتجهت نحو استخدام كلمات أكثر مباشرة وجرأة.

وأضاف حمدي أن هذا التحول لا يعني بالضرورة سوء الكلمات أو تشابهها بل إن هناك عدد كبيراً من الشعراء الذين يمتلكون مفردات وأساليب متنوعة. لكن المشكلة الحقيقية تكمن أيضًا في اتجاه عددٍ كبيرٍ منهم لاختيار النوع نفسه لرغبتهم بتحقيق الانتشار ومواكبة ما يفرضه سوق الأغنية.

وأكد حمدي أنه لا يمكن تحميل المسؤولية للشعراء وحدهم بل يتحمل المطربون جانباً كبيراً منها باعتبارهم أصحاب القرار النهائي بشأن الأغنيات المقدمة للجمهور. وشدد على ضرورة منح الفرصة للنصوص الجيدة للوصول إلى المستمعين.