ليس من الجديد أن نقول إن الفن الهادف يُعتبر من أقوى الأسلحة، بل هو أقوى وأمضى من كل أسلحة الحروب التقليدية، ومن ترسانات أعتى الجيوش وصواريخها. فالفن الذي يخاطب العقول ويشكل الوجدان أكثر تأثيرًا وأسرع انتشارًا من مختلف وسائل الدعاية التي يلجأ إليها صناع القرار في أوقات الحروب والأزمات الكبرى.

لقد لعب الفن بكافة أنواعه، خاصةً السينما، دورًا محوريًا على مدار التاريخ في الأوقات الصعبة والاستثنائية، مثل تلك التي نعيشها حاليًا مع كثرة الحروب والصراعات. ومن أبرزها الحرب المستعرة والمتصاعدة والتي تنذر بعواقب وخيمة على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، بما في ذلك التوترات الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية.

كما أن العدوان الصهيوني على غزة، الذي يستمر منذ نحو ثلاث سنوات، يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية والقضاء عليها إلى الأبد. لكن هيهات أن يتسنى له ذلك ووراءه شعب بطل يبذل الغالي والنفيس في سبيل قضيته العادلة. وستظل القضية الفلسطينية هي قضية العرب الأولى مهما زايد المتزايدون أو شكك المتشككون والخونة، حتى يتحرر كل شبر من أراضي فلسطين المغتصبة منذ نكبة 1948.

أفلام بالجملة

الحقيقة أن السينما المصرية لم تدخر جهدًا في تناول القضية الفلسطينية عبر العديد من الأفلام التي تناصرها وتدعمها منذ بداية النكبة عام 1948. ومن هذه الأفلام “فتاة من فلسطين” لسعاد محمد ومحمود ذو الفقار، و”الله معنا” لعماد حمدي وفاتن حمامة، و”أرض السلام” لفاتن حمامة أيضًا وعمر الشريف. هذه الأعمال تغطي المراحل والتحولات التي شهدتها القضية والصراع العربي الإسرائيلي والتي تم تناولها في مقالات سابقة.

كما أولت السينما العربية والعالمية أيضًا اهتمامًا كبيرًا بهذه القضية، وكانت أكثر جرأة وعمقًا في تناولها مما دفع الكيان واللوبي الصهيوني وأتباعه إلى محاربة عدد كبير من هذه الأفلام بكل قوة ومحاولة منع عرضها في المهرجانات السينمائية الكبرى. ورغم ذلك، نجح عدد من هذه الأفلام في حصد العديد من الجوائز وتحقيق انتصارات سينمائية ودعائية قوية للقضية الفلسطينية.

يد إلهية والجنة الآن

من أهم الأفلام العربية التي تناولت الصراع العربي الإسرائيلي وحاربتها إسرائيل هو فيلم “يد إلهية” الذي يعرض قصة حب وألم بين شاب من سكان أرض فلسطين 48 وفتاة من الضفة الغربية، والصعوبات والمعاناة الإنسانية التي يواجهانها في محاولة التنقل للقاء بعضهما البعض. يتحولان إلى بطلين يتسببان بمشاكل وأضرار جسيمة للكيان الصهيوني.

الفيلم تأليف وإخراج الفنان الفلسطيني إيليا سليمان وإنتاج فلسطيني مغربي فرنسي ألماني عام 2002. وقد حصل على عدة جوائز منها جائزة الفيلم الأوروبي لأفضل فيلم غير أوروبي.

أما فيلم “الجنة الآن” فقد أثار جدلًا واسعًا وأرق الكيان الصهيوني وحصد العديد من الجوائز الدولية مثل جائزة الجولدن جلوب وجائزة مهرجان برلين وجائزة الفيلم الأوروبي لأفضل سيناريو وجائزة العجل الذهبي من هولندا. كما تم ترشيحه لجائزة أوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية.

الفيلم تأليف بيرو بيير والفلسطيني هاني أبو أسعد الذي قام بالإخراج أيضًا، وبطولة قيس ناشف وعلى سليمان وإنتاج فلسطيني هولندي ألماني عام 2005. ويحكي الفيلم عن آخر 48 ساعة في حياة شابين فلسطينيين يستعدان لتنفيذ عملية استشهادية داخل إسرائيل. اعتبر الكيان الصهيوني أن الفيلم يمجد العمليات الانتحارية ضده وحاربه بقوة، مما أدى إلى اندلاع مظاهرات ضد قرار المسؤولين عن جوائز الأوسكار لمنع ترشيحه لإحدى جوائزه. كما قامت مروحيات إسرائيلية بقصف أحد المواقع القريبة من مكان تصوير الفيلم بنابلس!

عمر وحنا K

فيلم “عمر” هو فيلم فلسطيني آخر تأليف وإخراج هاني أبو أسعد، وقد ترشح أيضًا لأوسكار أفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية مثل فيلمه “الجنة الآن”، بطولة آدم بكري وليام لوباني. تدور أحداث الفيلم حول عامل مخبز يدعى عمر يعبر الجدار الفاصل يوميًا للقاء حبيبته نادية لكنه يتم اعتقاله من قبل جنود الاحتلال وتعذيبه ليقبل بالعمل لصالحهم ضد وطنه!

نال الفيلم جائزة مهرجان آسيا باسيفيك سكرين وتنويه خاص من لجنة تحكيم مهرجان كان عام 2013. ومن جهة أخرى، هاجم العديد من السياسيين الإسرائيليين الفيلم الأردني “فرحة” لتصويره مذبحة ارتكبها جنود الاحتلال ضد عائلة فلسطينية بها طفلان ورضيع أثناء بداية النكبة عام 1948، وهي قصة حقيقية تمت روايتها للمؤلفة والمخرجة والمنتجة الأردنية دارين ج سلام.

فيلم “جنين جنين” هو واحد من الأفلام الوثائقية المهمة التي ساهمت في دعم فلسطين وفضح فظائع ومجازر اليهود ضد الشعب الفلسطيني؛ حيث يكشف حقيقة المجزرة التي نفذها الكيان الصهيوني ضد الشعب الأعزل في مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين بالضفة الغربية أثناء عملية الدرع الواقي عام 2002.

هذا الفيلم منعته سلطات الاحتلال وصادرت نسخه قبل أن تسمح المحكمة العليا في إسرائيل بعرضه. وتم رفع عدة قضايا ضد كاتبه ومخرجه ومنتجه الفلسطيني محمد بكري بتهمة تشويه صورة القوات الإسرائيلية. وقد حصل الفيلم على جائزة أفضل فيلم من مهرجان قرطاج السينمائي بتونس.

كما كان للسينما العالمية نصيب واضح في دعم القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي؛ ومن أهم هذه الأفلام فيلم “Hanna K” للمخرج اليوناني الكبير الحائز على الأوسكار كوستا جافراس وتأليف فرانكو سوليناس وبطولة النجمة الأمريكية الراحلة جيل كلايبورج والفنان الفلسطيني محمد بكري. يدور الفيلم حول مبادرة المحامية الأمريكية اليهودية حنا كوفمان للدفاع عن شاب فلسطيني اعتقلته الشرطة الإسرائيلية بتهمة الإرهاب بينما كان يحاول العودة إلى بيته القديم في الضفة الغربية الذي طردته منه قوات الاحتلال!